هل نحن أمام سعار سياسي؟ تفريغ السياسة من معناها الأخلاقي
سياسي : رشيد لمسلم
ينبئ المشهد السياسي الراهن بتحولات مقلقة تعيد طرح الأسئلة الجوهرية حول جدوى العمل الحزبي والتدبير الترابي.
فبين النصوص التشريعية المنظمة للأحزاب السياسية والجماعات الترابية، وبين الممارسات الميدانية لفرقعة الأغلبية وتدبير الشأن العام، تتسع الهوة بشكل صارخ حتى أصبحت السياسة – في تقدير الكثيرين – تختزل في صراع نفعي وموسم للمزايدات بعيد كل البعد عن نبض الشارع وهموم المواطنين.
الأخلاق السياسية على حافة الختم
لم تكن الأخلاق يوما ترفا نظريا في الفكر الديموقراطي، بل هي الضابط الأساسي لاستمرار الثقة بين الحاكم والمحكوم. غير أن تتبع مسار بعض النخب يظهر تآكلا متسارعا لمنظومة القيم السياسية.
لقد تحولت المبادئ إلى مجرد شعارات انتخابية، وصار الانتماء الحزبي وديعة قابلة للتصرف فيها عند أول مفترق طرق أو مصلحة ضيقة.
وحين تفقد السياسة بوصلتها الأخلاقية، تفقد معها المؤسسات شرعيتها المعنوية، لتتحول من فضاءات لتدبير الشأن العمومي إلى أسواق لتدبير المصالح الشخصية.
الترحال السياسي: الولاء لمن يدفع أو يمنح تزكية
يُشكل “الترحال السياسي” الوجه الأكثر سخافة في المشهد الحزبي المغربي، حيث ينتقل المنتخبون بين الأحزاب ببرودة أعصاب ودون أي حرج أمام ناخبيهم.
هؤلاء الذين صوت لهم المواطنون بناء على برامج أو شعارات معينة، يجدون أنفسهم أمام كائنات انتخابية لا تتردد في تغيير جلودها الحزبية بين ليلة وضحاها.
إن تقنين أو التساهل مع هذا العبث يفرغ الانتخابات من محتواها، ويرسخ لدى المواطن قناعة راسخة بأن الأحزاب مجرد حافلات ركاب تستغل للوصول إلى الكراسي، لا مشاريع مجتمعية تنافس على خدمة الصالح العام.
دورات مغلقة، دماء، وتمرير ما يجب تمريره
حين تغلق أبواب المجالس الترابية في وجه المواطنين والإعلام، تبدأ الحكاية الحقيقية التي لا تريد النخب كشفها. لم تعد المجالس المحلية فضاءات للنقاش الديموقراطي الهادئ، بل تحولت في حالات عديدة إلى حلبات صراع خشنة تنتهي أحيانا بالتراشق بالأيدي، بل وإراقة الدماء، بغرض فرض منطق القوة على منطق القانون.
تعقد الدورات في ظرفية غامضة، وتمرر المقررات الصامتة والميزانيات والمشاريع بسرعة البرق، وامام أعين السلطات المحلية، بعيدا عن أعين الرقابة الشعبية.
إن إصرار البعض على تحويل المجالس إلى محميات مغلقة يؤكد الخوف الدفين من الشفافية والرغبة العارمة في تمرير الصفقات والمصالح دون إزعاج الأسئلة الحارقة.
سعار سياسي وغياب تام للجدية
إن ما نشهده اليوم ليس سوى انعكاس لـسعار سياسي غير مسبوق، يتجلى في التراشق المستمر بالاتهامات بين الفاعلين، وتبادل اتهامات الفساد والعجز بدل تقديم البدائل التنموية.
لقد غابت الجدية السياسية وحل محلها الصخب الإعلامي الفارغ والعبث المؤسساتي.
إن استمرار هذا الوضع ينذر بتقويض ما تبقى من ثقة في العمل الحزبي والمؤسسات المنتخبة.
وإذا كانت القوانين المنظمة للأحزاب والجماعات الترابية وُضعت لتنظيم الاختلاف وخدمة التنمية، فإن التطبيق العملي أثبت أن النصوص وحدها لا تكفي ما لم تتوفر إرادة سياسية حقيقية تضع الأخلاق والمصلحة العامة فوق كل اعتبار، وتضع حدا لمنطق الريع والبلطجة المؤسساتية.
فهل من مستفيق قبل أن يفقد الفعل السياسي آخر رمق له في وجدان المجتمع؟
المواطن يبقى هو الحل في عقدة المنشار ..لأن الغاية من العبث السياسي
إن الطريق الوحيد لوقف هذا العبث المؤسساتي وإعادة الاعتبار للعمل السياسي لا يمر عبر الرفض السلبي أو المقاطعة اليائسة، بل عبر صناديق الاقتراع.
إن أصواتكم هي السلاح الدستوري الأقوى لمعاقبة سماسرة الانتخابات وتجار الولاءات، وهي الكفيلة بإزاحة الكائنات الحية التي اتخذت من المجالس الترابية ضيعات خاصة، وجعلت من الترحال حرفة ومن الكراسي غاية.
توجهوا بكثافة إلى مكاتب التصويت يوم الاستحقاق، وامنحوا ثقتكم لمن يملكون الكفاءة والنزاهة، لتغيير موازين القوى في مواقع القرار وتحويل المؤسسات المنتخبة من غرف مغلقة للريع إلى فضاءات حقيقية لخدمة المواطن وخدمة الصالح العام.

