قال الإعلامي محسن بنتاج، انه و بعد قراءة متأنية لحدث تعيين الحكومة اليوم من طرف صاحب الجلالة حفظه المولى، وفق المبادئ والأصول الدستورية، وبعد تمحيص في بروفلايتها ومواقفها ومرجعياتها، يبدوا من الطبيعي تسجيل ملاحظات أولية ببعد انطباعي شخصي، وبمحاصرة أخلاقية في تفكيك هذا المسار الدستوري والسياسي:
الملاحظة الأولى: الاستمرارية المؤسساتية و محاولات التجديد السياسي
تضم الحكومة الجديدة 32 وزيرا، بينهم 13 وزيرا من التشكيلة السابقة، بمعدل تجديد يتجاوز 47 في المائة، وهو معطى يسمح عمليا، بقراءة التعيين باعتباره يجمع بين مستويات من المؤشرات:
*مؤشر عالي في التجديد: من خلال إسناد حقائب إلى وجوه جديدة، وإعادة توزيع بعض الاختصاصات الوزارية بهندسة تقرب المصالح العليا للمواطن والوطن بهدف توحيد القطاعات.
*مؤشر عالي في رضى الاستمرارية: من خلال الاحتفاظ بنفس الشخصيات، التي نجحت بل توفقت في قطاعاتها التدبيرية كوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والداخلية و الخارجية.
* مؤشر تأنيث متوسط إلى ضعيف: لا تتجاوز نسبة حضور الوزيرات في التشكيلة الحكومية، خمس أعضاء الحكومة، وهو رقم يخالف إدعاءات الإدماج السياسي الذي نادت وراهنت عليه كل الأحزاب المشكلة للحكومة.
*مؤشر شبابي بكوطا رمزية مقبولة: عرفت التشكيلة الحكومية الحالية حضور مكثف لشباب لا تتجاوز أعمارهم 40 سنة، في قطاعات استراتيجية هامة، صعبة المراس السياسي والرقابة البرلمانية والشعبية، وهي تجربة تستحق التقدير.
الملاحظة الثانية: إعادة تركيب العلاقة بين الأغلبية والمرجعيات السياسية
تقوم الأغلبية الجديدة على حزب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية،
هذه التركيبة الحزبية تجمع نظريا مرجعيات حزبية بإيديولوجيات متباينة، ولذلك فالسؤال هنا، ليس فقط ماذا بعد أن توافقت هذه الأحزاب؟ بل كيف ستدير اختلافاتها التنظيرية في قضايا مصيرية مثل أرضية التصريح الحكومي، والتوجهات العامة لقانون المالية؟ وماذا أيضا عن بعض القضايا الخلافية مثل الضرائب، والتشغيل، والتعليم، والحماية الاجتماعية؟
الملاحظة الثالثة: تجديد مقبول ومبتكر في الهندسة الحكومية
من أبرز الإشارات التنظيمية الساعية لمحاولة إعطاء روح حديثة للحكومة إحداث حقيبة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، وإحداث وزارة منتدبة للشباب، ووزارة للفلاحة و السيادة الغذائية، وأخرى للتشغيل والحوار الاجتماعي، في إشارة لإرادة لتركيز القواعد الأولى لتكريس مبادئ الدولة الاجتماعية، وحماية الدولة من التقلبات الدولية.
الملاحظة الرابعة: شرعية التعيين الملكي بداية المسار
ينبغي التمييز بين التعيين الملكي لأعضاء الحكومة، واقتراح رئيسة الحكومة لأسمائهم، والمسؤولية السياسية للحكومة أمام البرلمان.
فالفصل 47 من الدستور ينظم تعيين رئيس الحكومة وأعضاء الحكومة، بينما ينص الفصل 88 على مسطرة تنصيب الحكومة أمام مجلس النواب بعد عرض برنامجها. ويحدد الفصلان 48 و49 دور المجلس الوزاري واختصاصاته.
وعليه، فإن التعيين الملكي يحدد التشكيلة التي ستباشر مهامها، لكنه لا يغني عن تقييم البرنامج الحكومي، ومدى انسجامه مع الأولويات الوطنية، وكيفية تنفيذ الالتزامات ومحاسبة المسؤولين عنها أمام المساطر الرقابية، ومنها الرقابة البرلمانية التي تعرف صحوة فريق العدالة والتنمية و شراسة المجموعة النيبابية لليسار.
الملاحظة الخامسة: حكومة بجينات الاختلاف الفكري والنقاش الساخن
السؤال المركزي الذي يستحق المتابعة هو: هل ستنتج هذه الهندسة الحكومية توازنا جديدا في تدبير القرار العمومي؟ هل ستنتج خطابا لمؤشرات التجانس الحكومي؟ هل ستخلوا المجالس الحكومية من خطاب الصراعات والأحلاف؟ هل الهندسة الحكومية الحالية مؤشر للرضى الجماعي؟ أم أن حرب الاختصاصات ستنطلق مبكرا ؟ الأكيد فقط، أن جينات الاختلاف الفكري حاضرة في ملامح بنية الحكومة، لكن الأكيد… أن مصلحة الوطن ستكون جوهر التقارب الحكومي.
Get real time updates directly on you device, subscribe now.
