اعتقال البروفيسور رشيد شرقاب: حين تنقلب القوانين إلى سياط لترهيب الكفاءات وحماية الريع.

اعتقال البروفيسور رشيد شرقاب: حين تنقلب القوانين إلى سياط لترهيب الكفاءات وحماية الريع.

كتبها: جمال الدين ريان 

​لا يُقاس رقي الدول بعدد قوانينها المكتوبة على الورق، بل بمدى احترام هذه القوانين وتطبیقها بروح العدالة والنزاهة لخدمة الصالح العام وحماية الحقوق والحريات.

غير أن ما جرى في قضية اعتقال البروفيسور رشيد شرقاب بتهم واهية يفتح باباً واسعاً للنقاش القانوني والحقوقي حول مدى تراجع الضمانات الدستورية والقانونية المفترض توفيرها للأطر والكفاءات، لا سيما تلك العائدة من مهجرها للإسهام في التنمية الوطنية.

قانونياً، تشكل هذه النازلة نموذجاً صارخاً لخطورة “الانحراف في استعمال السلطة” وتطويع النص القانوني لخنق الأصوات الحرة التي تقف حجر عثرة أمام شبكات المصالح الضيقة داخل قطاع حيوي كالصحة العمومية.

​الاختلالات القانونية والمساطر الواهية: سقوط في فخ الاستهداف المسبق

​من منظور قانوني بحت، تقف الممارسة القضائية والإدارية في هذه النازلة أمام محك حقيقي يكشف عن اختلالات جوهرية تمس بـ قرينة البراءة وحق الدفاع، وهما الركنان الأساسيان في أي دولة حق وقانون:

​طبيعة التهم وتناقضها مع الواقع: إن توجيه “تهم واهية” يفتقر إلى الأدلة المادية الدامغة والقرائن التقنية السليمة يفرغ المتابعة القانونية من محتواها الموضوعي، ويحول المسطرة الجنائية من أداة لإحقاق الحق إلى آلية ترهيب وتصفية حسابات ضيقة.

​شطط في استعمال السلطة: إن تحريك المتابعات بناء على وشايات مجهولة أو تقارير موجهة داخل قطاع الصحة، دون تمحيص دقيق لمدى جديتها ومصداقيتها، يعد خرقاً واضحاً للمبادئ العامة للقانون الإداري والجنائي التي تمنع التعسف في استعمال الحق والسلطة.

​تقويض الأمن القانوني والقضائي: إن غياب الوضوح والأمن القانوني في التعامل مع الكفاءات يوجه رسالة سلبية بالغة الخطورة؛ مفادها أن القانون قد يُوظّف انتقائياً لحماية المفسدين داخل منظومة الصحة العمومية بدل أن يكون درعاً لحماية الأطر النزيهة والمجدفة في سبيل مصلحة الوطن.

​الأمن القانوني كشرط أساسي لاستقطاب كفاءات مغاربة العالم

​إن استمرار هذا الوضع القانوني الملتبس يهدد بضرب الأمن القانوني في مقتل؛ وهو المفهوم الدستوري الذي يضمن للمواطن -سواء كان مقيماً أو مهاجراً- الطمأنينة والثقة في أن معاملاته وقراراته وعودته لبلده محمية بقواعد قانونية ثابتة وواضحة لا تغيرها أهواء اللوبيات.

​حين يدرك مغاربة العالم أن خبراتهم وتضحياتهم قد تقابل بتهم جاهزة ومتابعات تعسفية لمجرد كشفهم للخلل أو رفضهم للانخراط في منظومات الريع، فإنهم سيتخذون قراراً لا رجعة فيه بالاحتفاظ بكفاءاتهم بعيداً عن أرض الوطن. هذا العزوف ليس مجرد خسارة بشرية، بل هو هدر موصوف للرأسمال اللامادي الذي تنفق الدول الغربية المليارات لاستقطابه، بينما يفرطه فيه لُبيات الفساد المحليون عبر التوظيف المشوه للقانون.

​المداخل القانونية والملكية لتصحيح المسار

​أمام هذا الوضع القانوني الحقوقي المأزوم، تبرز الحاجة الملحة إلى تفعيل آليات الرقابة والمحاسبة الدستورية:

​التدخل الملكي السامي: باعتبار المؤسسة الملكية الضمانة الأساسية لحقوق المواطنين وحرياتهم واستقلال القضاء، فإن التدخل لإصدار عفو ملكي يرفع هذا الظلم البين يمثل مدخلاً دستورياً ضرورياً لإنصاف البروفيسور شرقاب ورد الاعتبار لكرامته.

​المحاسبة وربط المسؤولية بالمحاسبة: إن تفعيل الفصل الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة يقتضي فتح تحقيقات قضائية وإدارية معمقة ومستقلة لمعاقبة كل من ثبت تورطه في تلفيق التهم، واستغلال النفوذ، وحماية الفساد المستشري في مفاصل منظومة الصحة العمومية.

​توفير الضمانات الحمائية للكفاءات: سن وتفعيل ضمانات قانونية صريحة تحمي الأطر والمخبرين والمبلغين عن الفساد، لئلا تتحول النزاهة المهنية إلى جريمة يعاقب عليها القانون.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*