اعتذار الميداوي ،حين يصبح الاعتذار أعلى من المنصب

كتبها: سفيان خليهن

اعتذار الميداوي ،حين يصبح الاعتذار أعلى من المنصب

اليوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، وقف عز الدين الميداوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، داخل مجلس المستشارين وقال جملة لا يقولها الوزراء عادة في المغرب: “أعتذر اعتذارا رسميا وبكل صدق وشجاعة”.

انتهى.

هذه الجملة وحدها تستحق أن نتوقف عندها طويلا، ليس لنناقش هل كان خطأ الميداوي كبيرا أم صغيرا، بل لنناقش لماذا نحن كمجتمع لا نعرف كيف نعتذر.

 

ماذا وقع؟

أمس الاثنين في مجلس النواب، وهو يجيب عن سؤال حول إحداث جامعة بدرعة تافيلالت، أراد الميداوي أن يشرح فكرته التي دافع عنها بقوة، وهي ضرورة الحركية الجامعية وكسر الانغلاق المجالي، أي أن لا يبقى الطالب يدرس من الابتدائي إلى الدكتوراه في نفس الإقليم. ولتقريب الفكرة، استعمل عبارة فرنسية قديمة ومتجاوزة علميا وحقوقيا “Mariage mongolien” في إشارة إلى مخاطر زواج الأقارب وما قد يترتب عنه من أمراض وراثية. 

العبارة، كما قالت المنظمة المغربية لحقوق النساء في وضعيات إعاقة، تحمل حمولة تمييزية وتستحضر خلفيات تاريخية عنصرية تختزل الإنسان في خصائصه البيولوجية، وتتنافى مع الدستور الذي يمنع التمييز بسبب الإعاقة ومع الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي صادق عليها المغرب سنة 2009. 

كان يمكن للميداوي أن يفعل ما يفعله كثير من المسؤولين: أن يصمت، أو يبرر، أو يهاجم الجمعية، أو يقول إن كلامه أخرج عن سياقه وانتهى. لكنه اختار الطريق الأصعب.

 

وقف اليوم في الغرفة الثانية وقال: أقر بأن عبارتي كانت هفوة غير مقصودة بسبب ضيق الوقت وضغط الإجابة، لا تعكس بتاتا قناعاتي الشخصية، وأعتذر رسميا وعلنا للأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم والجمعيات الحقوقية. 

 

لماذا هذا الاعتذار مهم أكثر من الخطأ نفسه؟

لأن المغرب يعاني من أزمة ثقافة اعتذار مزمنة.

عندنا ثقافة تبرير، ثقافة إنكار، ثقافة “أنا لم أقصد”، ثقافة “الآخرون فهموا خطأ”، لكن لا توجد ثقافة “أنا أخطأت وأعتذر”.

 

الوزير في مخيالنا العام هو شخص لا يخطئ، وإذا أخطأ لا يعتذر، وإذا اعتذر فهو ضعيف.

والميداوي كسر هذه القاعدة اليوم. أبان أن الاعتذار لا ينتقص من مكانة المسؤول، بل يعزز صورته باعتباره قادرا على الإنصات والتصحيح، كما كتب أحد المواقع اليوم. 

 

وهذه هي النقطة السياسية العميقة التي يجب أن نلتقطها.

 

الدولة القوية ليست التي لا يخطئ وزراؤها، بل التي حين يخطئ وزراؤها يعتذرون. والمجتمع القوي ليس الذي لا يغضب من كلمة، بل الذي حين يغضب يجد من ينصت له ويصحح.

 

لو لم يعتذر الميداوي، لتحولت هفوة لسان عابرة إلى معركة أيديولوجية بين الحكومة والجمعيات الحقوقية، ولركب عليها تجار المظلومية الرقمية ليقولوا: انظروا هذه هي نظرة الدولة لأبنائكم. لكن باعتذاره، قطع الطريق أمام التأويلات، وأعاد النقاش إلى جوهره: كيف نطور الجامعة مع احترام كرامة كل المغاربة. 

ثقافة الاعتذار التي نحتاجها هي مشروع سياسي

نحن نحتاج إلى أن نعلم أبناءنا في المدارس أن الاعتذار قوة وليس ضعفا. نحتاج إلى أن نعلم المسؤول أن كلمة “أعتذر” لا تسقطه من المنصب، بل ترفعه في نظر الناس.

 

تخيلوا لو كل مسؤول فعل مثل الميداوي اليوم:

– مسؤول ترابي تأخر مشروع في جماعته، يقف ويقول: تأخرت، أعتذر، وهذا هو الجدول الجديد.

– وزير أخطأ في رقم في البرلمان، يقف ويقول: أخطأت في الرقم، أعتذر وأصحح.

– أستاذ جامعي ظلم طالبا في نقطة، يقول: ظلمتك، أعتذر.

 

حينها سننتقل من دولة تبرر إلى دولة تصلح، ومن مجتمع يشتم إلى مجتمع يحاسب باحترام.

 

الميداوي اليوم لم يعتذر فقط لأسر أطفال متلازمة داون، الذين نكن لهم كل الحب والاحترام والتقدير، بل أعطى درسا لكل الطبقة السياسية: أن تعترف بأن العبارة لم تكن مناسبة وأن الإساءة لم تكن من مقاصدك، وأن تطلب الصفح علنا داخل المؤسسة التشريعية، هو أرقى أشكال احترام المؤسسة التشريعية نفسها. 

 

ثقافة الاعتذار التي نحتاجها اليوم هي أن نقبل اعتذار من اعتذر، وألا نحول الاعتذار إلى محاكمة أبدية. قبلنا الاعتذار، وانتهى. نمر الآن إلى الأهم: كيف نبني جامعة تحترم العدالة المجالية وتحترم كرامة الإنسان في نفس الوقت؟

 

شكرا للسيد الوزير على اعتذاره، وشكرا للجمعيات التي نبهت باحترام، وهكذا تبنى العلاقة الصحية بين الدولة والمجتمع، لا بالشيطنة، بل بالإنصات والتصحيح والاعتذار المتبادل.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*