زواج السلطة بكارتيلات الصحة.. بليماني وبجيجو في قلب أخطبوط يهدد بالإجهاز على ما تبقى من الدولة الاجتماعية بالمغرب!
زواج السلطة بكارتيلات الصحة.. بليماني وبجيجو في قلب أخطبوط يهدد بالإجهاز على ما تبقى من الدولة الاجتماعية بالمغرب!
بقلم: كمال الفايز
عندما يُستبدل مبدأ الخدمة الاجتماعية بمنطق السوق والصفقات، وتتحول رعاية صحة المواطنين إلى استثمار ومكاسب تجارية، نكون أمام لحظة فارقة في تاريخ الدولة الاجتماعية تتطلب كسر جدار الصمت والتعرية الكاملة للواقع.
إن ما يشهده قطاع الصحة والحماية الاجتماعية في المغرب اليوم يتجاوز تشكيل حكومة جديدة أو إعادة هيكلة روتينية، فهو تجسيد مكتمل الأركان لسيطرة أخطبوط نفوذ ولوبي تابع للقطاع الخاص استولى بشكل منهجي على مقاليد القرار في الوزارة، موجهاً المرفق العمومي نحو التفكيك الخفي وإغلاق باب المجانية في وجه الفئات الهشة، لخدمة مصالح كارتيل محتكر يتغذى على نزيف المال العام.
يترأس هذا الأخطبوط الثنائي المتمثل في البروفيسور لحسن بليماني، المدير العام لمؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة، والبروفيسور يونس بجيجو، وزير الصحة والحماية الاجتماعية في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، والذي انتقل مباشرة من منصبه كمدير منتدب للمؤسسة نفسها إلى كرسي الوزارة، ليرسما معاً زواجاً محظوراً يجمع مواقع القرار العمومي والسلطة التنفيذية بمصالح شبكة استثمارية وتجارية متشابكة.
إن هذا الانتقال المباشر للوزير الجديد يونس بجيجو—المفروض على الأغلبية الحكومية بحصة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية دون أن تربطه بالحزب أي أصول نضالية أو انتماء حزبي أو مسار تنظيمي—يمثل سقطة مدوية واستهتاراً بتاريخ العمل السياسي، حيث سُلمت حقيبة قطاع اجتماعي مصيري إلى وافد قادم من أبراج التدبير المقاولاتي الاستثماري، ليُمرغ تاريخ الاتحاد الاشتراكي في مستنقع الخصخصة ويُحول المرفق العمومي إلى بؤرة لتوزيع النفوذ التجاري.
ولتلتقي خيوط اللعبة وتتضح الصورة الكاملة للهيكلة الفعلية للقطاع، يمكن القول إن المعالم الحقيقية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية باتت تدار بوجود وزير فعلي هو لحسن بليماني، ووزير صحة منتدب هو يونس بجيجو، فيما تتوزع كتابات الدولة الحقيقية على الشركات المهيمنة على السوق، بدءاً بشركة «أجينتيس» (AGENTIS) ككاتبة دولة مكلفة بالمعدات الطبية، وشركة «ماسترلاب» (MASTERLAB) ككاتبة دولة مكلفة بالمعدات المخبرية، وشركة «جيغالاب» (GIGALAB) ككاتبة دولة مكلفة بالتحاليل البيولوجية، في توزيع صريح لأدوار النفوذ والاقتسام.
وتتعمق هذه الشبهات بالعودة إلى التحقيق الذي نشرته الزميلة المجلة «ملفات» في عددها الثاني، والذي كشف للرأي العام خطط الهيمنة والممارسات الاحتكارية التي قادتها شركة «ماسترلاب» في حلف حصري مع المورد الأمريكي «أبوت» (Abbott)، وهي الفضيحة ذاتها التي ارتبطت بالصفقات التفاوضية إبان جائحة كوفيد-2020، لتتواصل عملية استنزاف المال العام عبر هندسة دفاتر الشروط الخاصة (CPS) على مقاس معدات هذه الشركات داخل المستشفيات الجامعية ومراكز تحاقن الدم.
وتتحقق هذه الهيمنة عبر آليات نفوذ متعددة الطبقات، حيث تعتمد شركة «ماسترلاب» على تمويل وتقديم الرعاية التجارية لجمعيات مهنية مثل الجمعية المغربية للكيمياء السريرية والطب المخبري (SMCC)، التي يضم مكتبها مدراء المختبرات العمومية بالمستشفيات الجامعية؛ وهؤلاء المسؤولون العموميون أنفسهم هم من يشرفون على صياغة المواصفات التقنية للصفقات، مما يدخلهم في مساحات رمادية وتضارب صارخ للمصالح يُفصّل الصفقات على مقاس المورد الحصري وتُلغى فيه المنافسة الشريفة.
ولا تقتصر الخيوط على الجانب الإداري والمهني، وإنما تكتمل معالم الاستنزاف المالي بحرمان الخزينة العامة من عائدات المنافسة عبر استغلال ثغرات قانون الصفقات العمومية؛ حيث يقدم المحتكرون عروضاً مالية تلامس الحد الأقصى المسموح به قانوناً وتصل إلى نسبة 19% فوق التقديرات الرسمية للقطاع العمومي نتيجة انفراد الشركة بالعروض وغياب أي منافسة فعالة، ناهيك عن الممارسات التي تقع تحت طائلة المادتين 6 و7 من قانون حرية الأسعار والمنافسة رقم 104.12 المتعلقة بالاتفاقات الضمنية لتقاسم السوق والتعسف في استغلال الوضع المهيمن، عبر الاستعانة بشركات موازية حليفة لتوجيه الصفقات وتثبيت الأسعار المرتفعة.
ولا تتوقف هذه الامتدادات عند حدود الصفقات العمومية، وإنما تمتد لتشمل تقاطعات تجارية ومالية معقدة وشبكات أسرية تجمع مالكي شركة «ماسترلاب» ومحيط لحسن بليماني، تضمنت إنشاء شركات خاصة مثل شركة (IBP) في سنة 2024 بمشاركة الطبيبة بشرى البصري لشراء مصحة «السفراء» الخاصة بالرباط، قبل أن يتم رفع رأسمالها وبيعها في أكتوبر 2025 لمؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة التي يترأسها زوجها لحسن بليماني، مما يفسر حصول ماسترلاب وشريكاتها على صفقات مباشرة لتجهيز المنشآت والمستشفيات الكبرى التابعة لهذه المؤسسة، بما فيها المستشفى الجامعي الدولي بالرباط المُفتتح سنة 2026 بكلفة ناهزت 450 مليون يورو.
وتتسع دائرة التساؤلات المشروعة عندما نجد أن هذه المؤسسة المنشأة ككيان لا يهدف إلى الربح يتمتع بالمنفعة العامة والدعم الحكومي الذي تراوح من 14 إلى 20 مليار سنتيم، أصبحت تدير منظومة شركات تجارية وخدماتية مثل «SA2S» بفروعها و«Afric-Med Distribution»، وتمتد عقودها لتجهيز المؤسسات الصحية العمومية في ظل غياب تام للشفافية والرقابة.
ولقد تجسدت هندسة هذا التداخل الفاضح في أرقى صورها بما كشفت عنه الوثائق الرسمية؛ ففي 23 شتنبر 2026، وفي الوقت الذي كان فيه الناخبون المغاربة يتوجهون نحو صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء مجلس النواب، في انتخابات أفرزت التشكيلة الحكومية الحالية، كانت المحكمة التجارية بالدار البيضاء تتلقى إيداعاً قانونياً يخص شركة مرتبطة بتدبير مستشفى القرب الجامعي الدار البيضاء سباتة عين الشق، يتضمن اسم يونس بجيجو وزير الصحة الحالي، الذي كان يشغل آنذاك منصب المدير التنفيذي لمؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة.
وتكشف المستندات القانونية أن الشركة المسماة «Hôpital Universitaire de Proximité-Casablanca Sbata Ain Chock» قررت، استناداً إلى محضر جمع عام استثنائي، إلغاء قرار حلها الكلي المتخذ خلال اجتماعين بتاريخ 10 و17 نونبر 2025، ومواصلة نشاطها، مع تعيين يونس بجيجو ورشيد مصمودي مسيرين لها لمدة محددة الأجل. وجرى هذا الإيداع تحت رقم 1042231، بالتزامن تماماً مع الاستحقاقات الانتخابية التي مهدت لقفز هذا الوافد من أبراج التدبير المقاولاتي إلى قمة هرم وزارة وصية على قطاع اجتماعي بالغ الأهمية.
إن هذا الارتباط العضوي الموثق يؤكد أن الوزير بجيجو، إلى جانب رئيسه ورفيق دربه في كواليس الاستثمار الصحي لحسن بليماني، كان يشرف وقبل توليه الوزارة على إحداث مستشفيات جامعية خاصة وشراء مصحات خاصة ومستشفيات القرب عبر شركات متداخلة، ليتم تجهيزها وتأهيلها تحت غطاء مؤسساتي واستثماري متشابك.
وعلى الرغم من المداهمة التي نفذها مجلس المنافسة برفقة الفرقة الوطنية للشرطة القضائية لمقرات شركة «ماسترلاب» في بداية سنة 2026 للتحقيق في التواطؤات الشديدة واحتكار السوق، فإن نتائج هذا التحقيق ظلت طي الكتمان وتوارى أثرها عن الرأي العام، لينتهي المطاف في الحكومة الجديدة بتعيين رئيس مجلس المنافسة السابق أحمد رحو وزيراً للذكاء الاصطناعي، مما يكرس الغموض ويثير علامات استفهام حارقة حول مصير التقارير الرقابية وحماية المال العام، وحول احتمال تحول المؤسسات الرقابية إلى واجهات لتبييض الصفقات السياسية والمقاولاتية.
إن هذا التداخل المارق الذي يجمع سلطة تنظيم القطاع الصحي وإدارته بالاستثمار التجاري والشركات الموردة، يتجاوز الخرق الصريح لقواعد الحكامة والتضارب المكشوف للمصالح، ويمثل إعلاناً رسمياً لإفلاس الدولة الاجتماعية وتفريطاً سيادياً في الأمن الصحي للمغاربة.
إن المنظومة الصحية اليوم، تُساق عمداً ووعياً نحو التسليع والخصخصة الشاملة عوض توجيهها لتطبيب المواطنين، ليصبح الحق في العلاج رهيناً بموازين القوى المالية والصفقات التفاوضية.
