هيبة المؤسسة التشريعية فوق كل اعتبار: عندما يُلزم القانون النواب بالصمت بدل التصفيق
بقلم: رشيد لمسلم
تزكية لهيبة المؤسسة الدستورية ووقارها، يواصل البرلمان المغربي – بمجلسيه – تكريس الممارسة البرلمانية المسؤولة التي تضع المصلحة العليا للوطن والنقاش الجاد فوق أي استعراضات شعبوية.
وفي هذا السياق، يبرز النظام الداخلي لمجلس النواب كبوصلة ناظمة تمنع كل مظاهر التصفيق أو التشويش داخل الجلسات، تكريسا لاحترام الأمة التي يمثلها النواب حق التمثيل.
الإطار التنظيمي: القانون فوق الحماس الحزبي
يعتبر البرلمان فضاء للنقاش الرصين، وتشريع القوانين، ومراقبة العمل الحكومي بالحجة والدليل، وليس مسرحا للمزايدات أو التعبير عن الحماس الحزبي بالطرق الشعبوية.
ومن هذا المنطلق، ينص النظام الداخلي لمجلس النواب المغربي صراحة على منع التصفيق أو التشويش داخل الجلسات العامة واللجان النيابية. ويهدف هذا الحظر القانوني إلى:
حماية هيبة الأمة: فالبرلمان يجسد الإرادة الشعبية،
وجلساته تتابع من طرف المواطنين والرأي العام، مما يستدعي قدراً عالياً من الوقار والجدية.
ضمان حرية التعبير: منع التصفيق يتيح لكل نائب التعبير
عن أفكاره ومواقفه دون ترهيب معنوي أو ضغط سيكولوجي قد يفرضه التصفيق الجماعي أو الاستهجان.
التركيز على جوهر النقاش: تحويل قبة البرلمان إلى فضاء للنقاش العقلاني الرصين المرتكز على الأرقام والمشاريع، بعيدا عن صخب الحشود.
بُعد دستوري وأخلاقي: النواب، نواب عن الأمة جمعاء لا ينفصل هذا المقتضى التنظيمي عن الروح الدستورية للمملكة؛ فالفصل بين السلط واستقلالية المؤسسات وتشريعاتها تستوجب من ممثلي الأمة أن يكونوا قدوة في احترام القانون الداخلي الذي صادقوا عليه بأنفسهم.
فالتصفيق، وإن بدا في الظاهرة تعبيرا عن الإشادة أو الدعم، فإنه يتحول في العرف البرلماني المقارن والمغربي إلى أداة لتعطيل السير العادي للجلسات، أو وسيلة للضغط على المخالفين في الرأي.
من هنا تأتي الصرامة في تطبيق مقتضيات النظام الداخلي لضمان بيئة عمل برلمانية سليمة تعكس المسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتق النواب تجاه قضايا المواطنين.
نحو ثقافة برلمانية متجددة
إن الالتزام بمنع التصفيق داخل قبة البرلمان ليس مجرد إجراء شكلي أو عقوبات زجرية محتملة، بل هو تعبير عن نضج ديموقراطي ومؤسساتي يترسخ تدريجيا في الممارسة السياسية المغربية.
فالمواطن الذي ينتظر من ممثليه حلولا حقيقية لانتظاراته اليومية، يتطلع إلى برلمان تناقش فيه النصوص التشريعية بلغة العقل، والرصانة، والمسؤولية التامة.
وفي الأخير، يظل البرلمان المغربي مرآة لمدى تقدم الوعي السياسي الوطني، حيث تصاغ القرارات المصيرية للبلاد ليس بالهتاف والتصفيق، بل بالحوار الجاد، الرصين، والمسؤول.
