المتقاعدون والضريبة المجحفة !

في الوقت الذي نرى فيه معظم حكومات بلدان العالم تحرص على احترام شعوبها، وتسهر على تكريم المتقاعدين منهم وحسن العناية بأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية وكل ما هم بحاجة إليه، عرفانا منها بما أسدوه في ريعان شبابهم وأوج عطاءاتهم من جليل الخدمات وعظيم التضحيات في سبيل رفعة أوطانهم ونهضة مجتمعاتهم. تصر حكومات بلادنا المتعاقبة على التنكر لهم وتجاهل معاناتهم، غير عابئة بهمومهم وأشجانهم. إذ على عكس ما كانوا يترقبونه من استجابة لمطالبهم ولو في حدها الأدنى، المتمثل في إعفاء معاشاتهم من الضريبة على الدخل، باعتبارها اقتطاعا مجحفا ولا يستند إلى أي نص قانوني، تأبى حكومة العثماني إلا أن تخيب آمالهم وتعمق آلامهم بالإبقاء على هذه الضريبة اللعينة.
فمنذ أن دفع محمد بنشعبون وزير المالية وإصلاح الإدارة بالفصل 77 من الدستور لمنع التصويت على التعديل المقترح من قبل مستشاري الكنفدرالية الديمقراطية للشغل، الرامي إلى إلغاء الضريبة السالفة الذكر في مشروع قانون المالية برسم سنة 2020، مبررا رفض الحكومة بما قد تتعرض له ميزانية الدولة من تضرر مالي يصل إلى حدود مليار و800 مليون درهم، وسيل رسائل الاستنكار والتنديد يكاد لا يتوقف في الفضاء الأزرق، من خلال إطلاق متقاعدي الوظيفة العمومية حملة أوسع من سابقتها في منصات التواصل الاجتماعي، داعين إلى رص الصفوف والتصدي لهذه الهجمة الشرسة على معاشاتهم، والضغط بشتى أشكال النضال المشروعة على الحكومة، بما فيها مراسلة القصر الملكي من أجل إنصافهم والتراجع عن الاقتطاع الضريبي التعسفي، لاسيما أنه سبق خضوع أجورهم للضريبة على الدخل طوال سنوات مزاولة نشاطهم، مؤكدين على عدم أحقية صندوق التقاعد في إخضاع معاشاتهم ثانية ل”مجزرة” الخصم الجائر، وهم خارج العمل في حالة تقاعد…
وجدير بالذكر أن ما كرس لديهم الشعور بالخذلان والإحباط والتهميش، ليس فقط إقصاؤهم من الزيادة التي أقرتها الحكومة لصالح القطاع العام وفق الاتفاق الموقع مع المركزيات النقابية في إطار الحوار الاجتماعي بتاريخ 25 أبريل 2019، والذي يقضي بزيادة عامة ما بين 400 و500 درهم لجميع الموظفين العموميين تمتد لثلاثة أعوام (2021-2019) ابتداء من شهر يونيو 2019. ولا إشهار وزير المالية “الفيتو” ضد إلغاء تضريب معاشات المتقاعدين، وإنهاء الجدل المثار حوله في مجلسي البرلمان وخارجهما، باستلاله سيف الفصل 77 من الدستور في مجلس النواب لرفع الحرج السياسي عن الفرق البرلمانية التي وجدت نفسها في مأزق حقيقي أمام الرأي العام، وهو الفصل الذي ينص على أن “للحكومة في إطار توازن مالية الدولة أن ترفض بعد بيان الأسباب، المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان، إذا كان قبولها يؤدي بالنسة لقانون المالية إلى تخفيض الموارد العمومية، أو إلى إحداث تكليف عمومي أو الزيادة في تكليف موجود”.
وإنما الذي أجج حنقهم وزادهم استفزازا هو أن حكومة العثماني سيرا على هدي سابقاتها لا تلجأ إلى مثل هذا الفصول الدستورية إلا حين تريد الهروب إلى الأمام، إذ كيف لها التذرع بالخوف من “تخفيض الموارد العمومية أو إحداث تكاليف عمومية”، للتنصل من إلغاء الضريبة على معاشات المتقاعدين، إذا كان الوزراء والبرلمانيون يستفيدون من معاشات ريعية بملايين الدراهم معفاة من أي ضريبة ؟ ثم أين نحن من العدالة الاجتماعية، ورئيس الحكومة السابق عبد الإله ابن كيران يحصل على معاش استثنائي بقيمة سبعة ملايين سنتيما شهريا نظير قيادته حكومة معطوبة لمدة خمس سنوات فقط، معفى من الضريبة ودون المساهمة فيه ولو بفرنك واحد، وهو ذاته من أشرف على تمرير مخططه الجهنمي الذي استهدف آلاف الموظفين والمأجورين لإسعاف الصندوق المغربي للتقاعد المنهوب، وتصدى بشراسة لمقترحات القوانين بشأن إسقاط معاشات الوزراء والبرلمانيين، رغم وجود نفس المبررات المهددة بإفلاس صناديق التقاعد؟
ترى أين نحن من الحس الاجتماعي لدى حكومة ما انفك رئيسها يتبجح به، إن كانت لا تتورع عن التصدي بالرفض لكل التعديلات والقوانين التي من شأنها رعاية مصالح الطبقات الفقيرة والهشة والمتوسطة؟ فالقانون المالي لسنة 2020 جاء ليؤكد بالملموس على أن العثماني وسلفه ابن كيران وجهان لعملة واحدة غير قابلة للصرف بالنسبة للغلبة والمسحوقين، ويكشف عن أن معظم البرلمانيين لا يمثلون إلا أنفسهم ولا يجيدون الترافع عدا عن مصالح الدولة ومصالحهم الذاتية، بعيدا عن هموم وانشغالات المواطنين. ثم أين نحن من اعتماد مبدأ مراجعة المعاشات أمام الارتفاع المطرد لمستوى العيش، في ظل تحرير أسعار المحروقات ورفع الدعم عن صندوق المقاصة؟ وهل من العدالة أن يتم خفض الضريبة على الشركات الكبرى، ورفض إلغائها من معاشات الفئة الأكثر تضررا في المجتمع؟
إنه لمن المخجل أن تظل الأوضاع الصعبة لحوالي ثلاثة ملايين من المتقاعدين عرضة للاستخفاف، في ظل حكومات مشلولة الإرادة ولا تتوفر على رؤية واضحة لمعالجة المشاكل المطروحة بحدة، وخاصة منها مشكل هذه الشريحة الاجتماعية التي أفنت زهرة حياتها في خدمة الوطن وأبنائه. فأي تناقض أكبر وأخطر من رفض تضريب معاشات البرلمانيين والوزراء وفرضها على معاشات المتقاعدين، علما أنهم أحوج ما يكونون إلى حفظ كرامتهم وتحسين أوضاعهم المادية وتلبية احتياجاتهم، خاصة تلك المرتبطة أساسا بالصحة والنقل والترفيه…
اسماعيل الحلوتي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*