“تدبير الحكومة لأزمة كورونا من خلال نظريتي الظروف الاستثنائية وأعمال السيادة”

هشام ودرة طالب باحث في كلية الحقوق مراكش

إذا كانت السلطة التنفيذية في الحالات والظروف العادية ملزمة باحترام القواعد القانونية عند قيامها بوظائفها وممارسة صلاحيتها الدستورية استنادا لمبدأ المشروعية وسيادة القانون، فإنها في حالات استثنائية تجد نفسها مضطرة عن الخروج عن هذه القواعد عندما تتعرض لبعض الازمات أو المخاطر كحالة قيام الحرب أو الكوارث الطبيعية أو في حالة تفشي الامراض والأوبئة.
وبالرغم من كون مبدأ المشروعية وسيادة يشكل مظهرا من مظاهر الدولة الديمقراطية فقد ساهم في بروز مجموعة من النظريات الموازية والتي تصنف ضمن الأفكار القانونية ذات طبيعة خاصة تقتضيها ظروف وحالات استثنائية تستدعي التعامل معها وفق أحكام خاصة، ومن أهم هذه النظريات نجد نظريتي الظروف الاستثنائية أو الطارئة ونظرية أعمال السيادة.
واستنادا للمبادئ العامة للأنظمة السياسية لبعض الدول ولأعرافها التاريخية والسيادية فإن هذه النظريات لا تخضع لرقابة القضاء ولا تقبل الطعن فيها بسبب تجاوز السلطة.
وقد عرف الفقه والقضاء نظرية الظروف الاستثنائية على أنها الحالات الغير العادية التي تعرفها الدولة في أي وقت من الأوقاف مثل حدوث الفيضانات ووقوع الزلازل والاعاصير وانتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة أو قيام الحروب الاهلية والدولية وغيرها.
كما تعتبر أعمال السيادة من الامتياز الهامة التي تتمتع بها الدولة في ممارسة صلاحياتها الاستثنائية بهدف الحفاض على أمن وسلامة البلاد وحماية مؤسساته الدستورية، من خلال مجموعة القرارات التي تتمثل في دعوة الجميع لتحمل التكاليف العامة وحماية حوزت البلاد ووحدة التراب الوطني وإصدار قرارات تفرض حالات الطوارئ والاستثناء وغيرها.
وقد أدى ظهور وانتشار وباء كورونا كوفيد-19- إلى خروج معظم الدول ومن ضمنها المغرب على بعض أحكام مبدأ المشروعية، من خلال اتخاد مجموعة من التدابير والإجراءات الاستثنائية التي تستهدف مواجهة هذا الوباء الفتاك والحد من انتشاره.
ويعتبر من المغرب من الدول السباقة إلى اتخاد مجموعة من الإجراءات والتدابير الاستباقية في هذا الإطار والتي صنفت بالهامة، حيث مارست السلطات المختصة صلاحياتها الاستثنائية وعبئت جميع الوسائل لمواجهة هذا الظرف الطارئ، وقد اندرجت هذه الإجراءات والتدابير في إطار الامتيازات الاستثنائية للدولة والتي مارستها بناء على نظرية اعمال السيادة ، من خلال اعلان حالة الطوارئ بموجب المرسومين رقم 02.20.292 المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها والمرسوم 2.20.293 المتعلق بفرض حالة الطوارئ الصحية على صعيد التراب الوطني. وكذا تفعيل مقتضيات الحجر الصحي وتطبيق مسطرة المتابعة في حق كل من تبث مخالفته لأحكام هاذين المرسومين أو عرقل قرارات السلطات العمومية لتطبيقهما.
واستنادا أيضا لنظرية الظروف الاستثنائية فقد ثم تفعيل مقتضيات الفصل 40 من الدستور والذي ينص على ضرورة تحمل الجميع بصفة تضامنية للتكاليف والاعباء قدر المستطاع لمواجهة الكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد.
وفي هذا الإطار ثم إحداث صندوق خاص بتعليمات سامية من طرف جلالة الملك لتدبير ومواجهة وباء كورونا من خلال مساهمات الدولة والمؤسسات العمومية والأشخاص الذاتيون، وهو ما ثم الاستجابة اليه بشكل تضامني مكن الحكومة من تقديم الدعم إلى كافة المتضررين من هذه الجائحة ودعم القطاع الغير المهيكل والمقاولات المتضررة وغيرها، بالإضافة الى تخصيص ميزانية مهمة من الصندوق لتعزيز المعدات والمستلزمات الطبية.
واستنادا أيضا على هذه النظريات فقد أصدر رئيس الحكومة في إطار التدابير الاستثنائية المنشور رقم 2020/03 بشأن تأجيل الترقيات وإلغاء مباريات التوظيف التي تهم إدارات الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري التي تؤدى أجور مستخدميها من ميزانية الدولة العامة، مع العلم أن هذه التدابير الاستثنائية لا تشمل الموظفين والأعوان التابعين للإدارات المكلفة بالأمن الداخلي ومهني قطاع الصحة.
أما في قطاع التربية الوطنية والتعليم العالي فقد واكبت الوزارة هذه الظروف الاستثنائية عبر اصدار مجموعة من البلاغات الإخبارية لمواجهة تفشي هذا الفيروس وضمان استمرارية مرفق التعليم عبر التوقيف الحضوري للدراسة واعتماد تقنيات التعليم عن بعد وإطلاق منصات التعليم الالكتروني وتسخير القنوات العمومية لبث الدروس النظرية والتطبيقية في جميع أسلاك التعليم وتأجيل العطلة الربيعية الى وقت لاحق.
وتجدر الإشارة في الأخير أن هذه الإجراءات والتدبير المتخذة من طرف الحكومة وان كان بعضها في الحالات العادي غير مشروع فإنها تصبح في هذه الظرفية الاستثنائية مشروعة وتخرج نهائيا من ولاية القضاء بنوعيه العادي والإداري ولها حصانة شاملة ومطلقة ضد أي دعوى قضائية.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*