عزيز قنجاع يكتب: ضمن اجواء الوباء ….. النظرية الخلدونية في محك الطاعون الاسود 1347 – 1352

عزيز قنجاع

رغم جسامة الكارثة التي خلفها “الطاعون الاسود” او “الطاعون الاعظم” او “المرض الوافد” او “الموت الاسود” او ” الموت العظيم” كما سماه معاصروه في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي الذي اودى بنصف سكان الارض و ترك خرابا هائلا بدول شمال افريقيا، وهو يشبه في تمدده واتساع مدى تأثيره، وكيفية ظهوره وباء كورونا الذي يضرب العالم المعاصر، فقد انطلق مثل وباء كورونا من آسيا الوسطى حيث سيطر المغول الى العالم الاوروبي ومنها الى شمال افريقيا وبواسطة الحجيج الى شبه جزيرة العرب، وأورد ابن خاتمة الانصاري في كتابه “ تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد “ مايلي : “ وقد اختلف الأمر في مبدإ هذا الحادث من أين ابتدأ ظهوره، فذكر لي الثقة عن بعض تجار النصارى القادمين علينا بألمرية، أن ابتداءه كان ببلاد الخِطا وبلاد الخِطا بلسان العجم هي بلاد الصين ”

. – وكأن التاريخ يعيد نفسه- ورغم جسامة هذا الطاعون الا ان الاسطغرافيا العربية و منها المغربية على الخصوص لم تخلف لنا مادة مصدرية ونصوصا مرجعية تشبع نهم الباحث في معرفة تأثيراته الحقيقية وظروفه الدقيقة على المغرب الاقصى وقد قال الناصري عنه في كتاب الاستقصا في اخبار دول المغرب الاقصى” في حديثة عن المائة الثامنة للهجرة ” واعلم انه في أواخر هذا القرن الثامن تبدلت احوال المغرب بل و احوال المشرق ونسخ الكثير من عوائد الناس ومألوفاتهم” لقد كان هذا الوباء من القوة ان أعاد تشكيل المجتمع المغربي من لباسه الى عوائده الى مألوفاته وعلينا ان نتصور حجمه بالنظر الى آثاره الفادحة هذه.
ويقول ابن خلدون عن طاعون 1348 المعروف بالطاعون الاسود ” في منتصف هذه المائة الثامنة من الطاعون الجارف الذي تحيف الأمم وذهب بأهل الجيل وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها فقلص من ظلالها وفل من حدها وأوهن من سلطانها وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أموالها وانتقض عمران الأرض بانتقاض البشر فخربت الأمصار والمصانع ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل وضعفت الدول والقبائل وتبدل الساكن” ويقول في صدد حديثه عن حملة السلطان الحسن المريني الى تونس سنة 1349م والتي عرفت اخفاقا واضحا ” ثم جاء الطاعون الجارف فطوى البساط بما فيه ” ويقول ابن خلدون في كتاب ” التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا ” في الحديث عن اساتذته ” ثم درجوا كلهم في الطاعون الجارف “اي ان الطاعون كما اخلى الاسواق احدث ايضا كسادا عاما في سوق العلم .ويضيف في نفس المصدر ايضا “الى ان كان الطاعون الجارف، وذهب الأعيان والصدور وجميع المشيخة، وهلك أبواي رحمهما الله” وكان عدد الموتى عظيما ان كسدت الاسواق والتجارة والصنائع وانعدمت اليد العاملة فعظم التصوف الشعبي وسادت الخرافة وكثر المتنبؤون ، ويخبرنا الرحالة الذين ركبوا البحر خلال هذه المرحلة خصوصا الاندلسيون منهم والذين في تتبعنا لرحلاتهم كالعبدري وابن رشيد السبتي نجدهم اتخدوا البحر و سيلة اساسية للتنقل ضمن المجال المتوسطي مما يحيل الى تطور الملاحة خلال القرن الرابع عشر الميلادي خصوصا وان الحروب الصليبية الاخيرة خلال القرن الثالث عشر والرابع عشر اعتمدت البحر والموانئ الايطالية لشحد الجنود و المؤن..
واعتمدت ايضا السواحل والمدن التي على طول الشريط الساحلي اللبناني و السوري مركزا لمنطلق عملياتها العسكرية ببلاد الشام، حيث عرفت حركة الملاحة تطورا جد ملحوظ خلال هذه الفترة حيث كانت المراكب تفرغ السلع ومعها الجرذان الحاملة لوباء الطاعون، ويصف ابن الخطيب هذا المشهد قائلا:
”فحرز ما هلك من نوع الإنسان به في هذا الوقت المحدود بسبعة الأعشار،ولم يتقدم فيما اتصل بأولي الاطلاع من تواريخ الأمم خبر وباء بلغ حسب مبلغه من أخذه مابين لابتي المشرق والمغرب، واتصاله بالجزائر المنقطعة في البحر واستئصاله أهل البيت والقرية…
يتعلق بالناس تعلق النار بالحلفاء والهشيم ”.وفي تعداده لعدد الموتان ابان هذا الطاعون أحصى ابن خاتمة في المرجع الذي سلف وذكرناه اي كتاب “ تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد “ مايلي : ” وان عدد الموتان في تونس – ويقصد هنا تونس المدينة العاصمة الحالية لان تونس الدولة كانت تسمى حينها بافريقية – في اليوم الواحد 1202 وتلمسان 700 وبلنسية 1500 وميورقة 1203 ” لكم ان تقارنوا هذه الارقام مع ما يحصل الان مع الفارق الديمغرافي الهائل . وبسبب هذه الاعداد الكبيرة للموتان فني نصف العالم.
بعد هذا التقديم في محاولة اظهار مدى هول فاجعة الطاعون الاعظم سنحاول ان نجيب كيف تفاعل ابن خلدون مع هذا الطاعون الذي جاء معاكسا لنظريته في العصبية، و لا بد ان اشير الى ان حدثين مهمين غالبوا نظرية العصبية و استعصى على النظرية الخلدونية احتوائهما’ الحدث الاول كان كيفية استطاعة ابن عامر الذي شغل اولا وظيفة الحاجب ولقب بالحاجب المنصور وصار الحاكم الفعلي للخلافة الأموية في الأندلس في عهد الخليفة هشام المؤيد .

كيف استطاع ان يستبد بالدولة الاموية وهو رجل دون عصبة اي دون عصبية العامل الاساسي في الاستبداد بحكم قائم كما هو حال الاتراك والسلاجقة والبرامكة الذين استبدو بالدولة العباسية بسبب شوكتهم ووفور عصبيتهم ، لكن ابن عامر هذا كان رجلا لا تعضده عصبية فكان شرح ابن خلدون لهذا الامر مرتبكا ودون اقناع وترك بياضات ساحت على النظرية و بقيت عالقة.
ثم جاء الطاعون الاسود ليضيف هو الاخر ارباكا جديدا للنظرية الخلدونية ، فهو يرجع سبب المجاعات و الموتان الى المرحلة الاخيرة من عمر الدولة اي الى الهرم وهي مرحلة توافق انهيار الدولة بسبب انحلال العصبية وتحللها لامور يشرحها مطولا في كتاب المقدمة ، طبعة دار الكتب العلمية ص: 320 وما بعدها ” اما في الطورين الاولين للدولة اي مرحلة البداية و الشباب فهي مرحلة البناء ” وخلالها يكون الناس “انتشطوا للعمران واسبابه فتوفر، ويكثر النسل ” الى ان يقول ” ثم ان المجاعات والموتان تكثر عند ذلك في اواخر الدول ” و يعيد اسبابها الى ” كثرة المجاعات كما ذكرناه او كثرة الفتن لاختلال الدولة فيكثر الهرج والقتل ، او وقوع الوباء. وسببه فساد الهواء بكثرة العمران لكثرة ما يخالطه من العفن والرطوبات الفاسدة” .
اذن ثمرة العمران تظهر في اخر الدول فالدولة تشرف على نهايتها في الوقت الذي تكون فيها ثمرة حضارتها وعلومها بصدد اعطاء الثمار وهو موضوع شيق للاستقلال النسبي للبنية الفوقية فالزمن المعرفي و العلمي الثقافي لا يساير بالطبع ازمنة مستوى البناء التحتي ، فالاجتماع و كثرة العمران يسهلان انتشار الوباء نظرا كما يقول: ” واذا فسد الهواء وهو غذاء الروح الحيواني ومُلابسه دائما فيسري الفساد الى مزاجه . فان كان الفساد قويا وقع المرض في الرئة . ….
وان كان الفساد دون القوي والكثير فيكثر العفن و يتضاعف ….وسبب كثرة العفن والرطوبات الفاسدة في هذا كله كثرة العمران ووفوره اخر الدولة ” اذن وصول الدولة الى اوجها ظاهريا وهرمها باطنيا هو سبب رئيسي في انتشار الوباء وقوة فعله و سريانه و انتشاره .
لكن ماذا يمكننا ان نقول عن الطاعون الاسود الذي افرغ المغرب من سكانه والدولة المرينية في اوج عظمتها، نتحدث هنا عن السلطانين الكبيرين ابو الحسن المريني و ابنه ابي عنان.
فالطاعون الاسود حل بالمغرب والسلطان المريني كان بصدد اكبر حملة عسكرية لاعادة توحيد بلدان المغرب الكبير من تونس الى الاندلس ، في هذا الوباء يظهر ابن خلدون معرفة كبيرة بالطب و بسبب انتشار الوباء معتمدا كما مجايليه مثل ابن الخطيب من الترجمات العربية لكتب جالينوس الطبيب الاغريقي الشهير ، لكنه لا يجيبنا عن سبب انتشار العدوى بهذه الحدة.
لا تشير الدراسات التاريخية المغربية التي تناولت تاريخ المرينيين الى جائحة الطاعون الاسود فعبد الله العروي في كتابه :”مجمل تاريخ المغرب ” يعيد سبب التدهور الديمغرافي بالمغرب الى حروب المرينيين بالاندلس ، يقول العروي ” كانت الاندلس تطلب الرجال ، وهؤلاء كانوا يأتون من المغرب .

هل يتصور احد ان معارك الزلاقة والارك والعقاب وغيرها كانت بدون ثمن ؟ الثمن هو بالطبع التسكان وفراغ البلاد.” ص 222-223″ ولا يلتفت الى الطاعون الاسود بتاتا ولا يعطيه اية قيمة وفاعلية تاريخية ، يقر العروي ان هذه الفترة عرفت لاول مرة انفصالا تاما بين المجتمع ، وصفه في نفس المرجع ص: 217 ب ” انفصالا عميقا ومتزايدا” والدولة كانت تسير امورها ” في نطاق منفصل ، متعال عن مجتمع عاد القهقري الى تنظيماته التقليدية – ويقصد هنا القبيلة – وابتدع اخرى غير خاضعة للدولة – ويعني هنا الزاوية التي ستلعب ادوارا رائدة استقبالا – نفس المرجع ص 216″ كما ان المؤرخ المغربي محمد القبلي في دراسته الوافية عن الدولة المرينية المنشورة في كتاب ” المجتمع والسلطة والدين بالمغرب نهاية العصر الوسيط” لم يعط هذا العامل ادنى اعتبار بل بقي ضمن الاشارات الجانبية.
ولنعد الى ابن خلدون فكيف راى ابن خلدون مصدر الخراب الذي الم بالدولة المرينية ابان جائحة الطاعون الاسود ، فرغم كل ما احدثه الطاعون الاسود ببلاد المغرب من كوارث فالبنسبة لابن خلدون فان عامل اكبر من الطاعون هو من ساهم في خراب عمران شمال افريقيا انهم الطارؤون على الجسم المغربي ويقصد هنا ” العرب” حيث يقول “ثم كانت واقعة العرب على السلطان بالقيروان ” ويعني هنا السلطان ابو الحسن المريني عندما دخل تونس لإعادتها لحظيرة الدولة المركزية المغربية ويضيف مباشرة، “ثم جاء الطاعون الجارف فطوى البساط بما فيه” فيكون الطاعون سببا مكملا لا مركزيا او رئيسيا فخراب العمران ابتدا قبلا من خلال الحروب التي خاضها العرب الوافدين الى شمال افريقيا، وان الضعف والهوان والتراجع الحضاري صار بنية محايثة للمسار التاريخي للمغرب منذ الدولة الموحدية مع مجيئ العرب الى شمال افريقيا ابان الحكم الموحدي واقطاعهم اراضي بالمغرب الاقصى، وهو لم يخرج عن القاعدة التي نظر من خلالها سكان المغرب مؤرخوه و رحالوه الى الامر فنصوص الرحلات خلال هذه الفترة دالة بل مفجعة للاحوال التي دخل فيها انمغرب، ومن ثمة فان ابن خلدون رغم انه كان يعيش في اوج حضارة عظيمة بكل ما فيها الا انه كان يرى الضعف و الهوان قد حل دون رجعة لذلك قال “وكأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب لكن على نسبته ومقدار عمرانه وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة ..وكأنه خَلقٌ جديد ونشأة مستأنَفة وعالَم محدَث..والله وارث الأرض ومن عليها.”

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*