الريع والحجر الصحي

سعيد بعزيز

برلماني

في تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الصادر برسم سنة 2019 للمساهمة في النموذج التنموي الجديد للمغرب، تطرق في الخيار الثالث المتعلق ببيئة تضمن المنافسة السليمة وتقنن الممارسات الريعية والامتيازات، من أجل تحفيز الاستثمار المنتج والناجع، وتقليص الفوارق، أكد على إعادة توزيع الموارد ووضع حد للممارسات المشجعة على الريع والامتيازات غير المنتجة والفساد، وكذا المساهمة في إرساء مناخ من الثقة بين المستثمر ومحيطه.
وجاء في الإجراء رقم 71 مقترح فتح القطاعات الخاضعة للمأذونيات / الرخص أمام منافسة أوسع وتعويض الرخص بدفاتر تحملات محررة سلفا وخاضعة لمراقبة بعدية.
هذا التقرير الصادر عن مؤسسة دستورية، تمنح الاستشارة للحكومة والبرلمان، وتدلي برأيها بشأن التوجهات العامة للاقتصاد الوطني والتنمية المستدامة، مما يفرض التعامل معه بشكل رسمي، في مختلف تجليات الريع والفساد، سيما المأذونيات المتعلقة بسيارات الأجرة، والتي تشتغل بها فئات هشة، التي تستغل بالريع، لكن في إطار قالب قانوني، الأمر الذي يؤثر سلبا على هذا القطاع، ويساهم في عرقلته وعدم دفعه بعجلة التنمية إلى الأمام.
وتقرير المجلس، في هذا الشق، يتقاطع مع الفقرة الثالثة من الفصل 36 من الدستور، الذي يؤكد على أنه يعاقب القانون على الشطط في استغلال مواقع النفوذ والامتياز، ووضعيات الاحتكار والهيمنة، وباقي الممارسات المخالفة لمبادئ المنافسة الحرة والمشروعة في العلاقات الاقتصادية.
فنظام الامتيازات الممنوح في المأذونيات، جعل فئة من المواطنات والمواطنين يكرسون كل جهودهم وأوقات حياتهم من أجل كسب مداخيل مالية يحول جزء منها إلى فئة أخرى لم تكلف نفسها عناء القيام بأي مجهود يذكر، وفي استغلال بشع لوضع مأساوي. وهذا الوضع له تأثير سلبي حتى على مبدأ التضامن والتآزر الاجتماعي، وعلى الأمن المجتمعي لعدم القبول من طرف الجميع. وإن كان لا يمكن الحديث عن المستفيدين برمتهم، بحكم أن هناك من يستحقها اعتبارا لوضعه الاجتماعي، خاصة الأشخاص في وضعية إعاقة.
ليس هذا فقط، بل نظام المأذونيات، ساهم في عرقلة حتى تصور الدولة الرامي إلى تحديث وتجديد أسطول السيارات الأجرة من خلال المقاربة المندمجة والتدريجية الهادفة إلى إضفاء مهنية أكثر على هذا القطاع، بموجب مرسوم 2.09.611 بتاريخ 30 دجنبر 2009 بتحديد شروط وكيفيات تخويل منحة تجديد سيارات الأجرة من الدرجة الثانية، كما وقع تغييره وتتميمه، والذي تم تمديد تطبيقه إلى غاية 31 دجنبر 2021 بموجب قرار مشترك لوزير الداخلية ووزير الاقتصاد والمالية رقم 2833.19 بتاريخ 04 ستنبر 2019. وكذا مرسوم 2.14.469 بتاريخ 18 يوليوز 2014 بتحديد شروط تخويل منحة تجديد سيارات الأجرة من الصنف الأول، والذي تم بدوره تمديد تطبيقه إلى غاية 31 دجنبر 2021 بموجب قرار مشترك لوزير الداخلية ووزير الاقتصاد والمالية رقم 2832.19 بتاريخ 04 ستنبر 2019.
فرغم هذه التحفيزات التي وضعتها الدولة لإنجاح هذا البرنامج، إلا أنه بقي متعثرا، خاصة بعد إلزام السائقين بإحضار عقود نموذجية حديثة العهد، تنظم العلاقة التعاقدية بين صاحب المأذونية والمستغل المهني لها، إذ يفوض بموجبه استغلالها للمستغل لها، سائقا كان أو غيره، مما يمكنهم من امتلاك وتسجيل سيارات الأجرة في اسمهم، عكس ما كان معمولا به في وقت سابق، حيث كانت السيارة تسجل في ملكية صاحب المأذونية، وكانت العقود التي تنظم هذه العلاقة في معظمها عرفية.
واليوم، في إطار حالة الطوارئ الصحية، وما ترتب عنها من أوامر وقرارات صادرة عن السلطات العمومية، الرامية إلى منع التنقل بين المدن إلا للضرورة، وتقليص عدد المقاعد، مما أدى إلى توقف معظم المهنيين خلال مدة الحجر الصحي، دون أن يشفع لهم ذلك، بل بقيت ذممهم مثقلة بمستحقات أصحاب المأذونيات، لينضاف ذلك إلى عدم التجاوب في وقت سابق مع المشاكل المتفاقمة التي يعاني منها قطاع سيارات الأجرة، وعدم توقف سريان عقود التأمين خلال هذه الفترة، ومصاريف العيش، والسكن إذا كان في وضعية كراء…إلخ.
اعتقد اليوم، أن هذا القطاع يسهل إخراجه من القطاع غير المهيكل وإدراجه في القطاع المهيكل، حيث أن مهنيي النقل العاملين في مجال سيارات الأجرة يحصلون لزوما على رخصة الثقة وبطاقة السائق المهني، وهذا هو المدخل، لترجمة مبادئ تخليق الحياة العامة والتنزيل السليم للدستور، فإما أن يعلن وبشكل مباشر من طرف المستفيدين من المأذونيات عن تنازلهم على مستحقاتهم خلال مدة الحجر الصحي، في أفق الخروج من هذه الأزمة والعمل على ايجاد حل جذري لهذا النوع من الممارسة الريعية، تبعا لآراء وتوصيات المؤسسات الرسمية للبلاد، لأنه لا مجال للحديث عن أي حل في الوقت الراهن، أو تتدخل الدولة في إطار الاهتمام بالفئات الاجتماعية الأقل حظا، وبالتالي تفعيل ما أحدث من أجله الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا “كوفيد 19″، بموجب المرسوم رقم 2.20.269 الصادر بتاريخ 16 مارس 2020، في الجانب المدين، وتحديدا النفقات المتعلقة بالتخفيف من التداعيات الاجتماعية لجائحة فيروس كورونا “كوفيد 19″، وتعمل الحكومة على أداء مستحقات أصحاب المأذونيات نيابة عن المهنيين، والاقتراح الثاني هو الأولى بالتنفيذ من أجل استفادة الجميع.

سعيد بعزيز
فاليوم، هذه الفئة في حاجة إلى خطوة جريئة ومبادرة إيجابية من أجل مجتمع متضامن، ومسألة الإعفاء من أداء واجبات كراء المأذونية / الرخصة خلال مدة الحجر الصحي، أمر واجب، يجب التعامل معه بكل جدية ومسؤولية، في أفق تجاوز هذه المرحلة العصيبة، والعمل في سياق إصلاحات شمولية تطال جميع أصناف النقل، بشكل يطبعه التكامل والانسجام، والحسم مع الممارسات الريعية، والإجراءات التجزيئية، وإرساء قواعد تحسين جودة نقل وتنقل الأفراد وبضائعهم، عبر تبني سياسة وطنية وجهوية تخدم المهني والزبون على حد سواء.

فمهنيو القطاع بين مطرقة الريع، وسندان الحجر الصحي، فلنرفع عليهم المطرقة، ولنتحد ضد الأزمة، ولنعلن عن حسن النية عبر اتخاذ مبادرات هادفة، في إطار التضامن والتآزر.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*