الدبلوماسية المغربية الجديدة

 

د, خالد فتحي

هل كان المغرب مجبرا على أن لا يبقي شعرة معاوية مع ألمانيا.

ام أنه كانت له خيارات أخرى غير وقف الاتصال مع السفارة الالمانية كحل أخير لتصريف امتعاضه من سياسة هذه الدولة تجاه قضاياه المصيرية؟؟.

أعتقد أن وزن هذه الدولة التي تقود اقتصاديا الاتحاد الأوروبي؛ والتي تعد رابع اقتصاد في العالم وخامس بلد من حيث القدرة الشرائية ، وطبيعة العلاقات الودية التي تجمعها بالمملكة ، وحجم الجالية المغربية بألمانيا… كله عوامل تحتم على دبلوماسيتناأن يكون القرار المتخذ ليس مدروسا فقط ، بل و ان يكون لازما ايضا. ولذلك فإن طريقة الإعلان المباغتة والصادمة هي بالتأكيد مقصودة من طرف مهندسي الدبلوماسية المغربية للتدليل على أن الكيل قد طفح بالرباط ، وأن هناك تراكما للإشارات السلبية من طرف برلين تجاهنا تفرض منسوبا معينا من إظهار الغضب والرفض .
فدبلوماسية الدبلوماسية المغربية معهود فيها أن تنهج اسلوب ضبط النفس و يميزها طول الاناة، عندما “تنفعل” فهي لاتتسرع ، وإنما تفعل ذلك بشكل مقصود لتصعيد حدة لهجتها بما يتناسب مع قوة الرسائل التي تود توجيههاللطرف الآخر،.

واولها أن المغرب بلد يقظ يراقب كل ما يجري حواليه من صفقات سياسية رافضا أن تمرر على حسابه، وبلد قادر على أن يقلب الطاولة عندما تمس مصالحه الاستراتيجية؛ وان عدم التكافؤ الاقتصادي بينه وبين ألمانيا’ لا يعني أن بينهما علاقة التلميذ والأستاذ ،او علاقة القوي والمنبهر بتلك القوة، وفي هذا رسائل في اتجاهات أخرى تجعله يتفادى مناورات قد كانت قادمة .أي أن وقف التعامل مع السفارة الألمانية ستغنيه أن يضطر إلى مثل ذلك التعامل مع أطراف أخرى قد يغريها التسامح والصمت المغربي بالخضوع لنزوات النظام الجزائري.

وبالتالي فهذا أسلوب علاجي تجاه ألمانيا ووقائي تجاه آخرين.

المغرب ينهج الآن دبلوماسية الند للند.صحيح أن هامش التحرك له علاقة بقوة الدولة، والمغرب بلد قوي باستقراره في محيط صعب وبإجماع شعبه وتحلقه حول القضايا المصيرية ولكنه الآن قد صار مرتبطا بحسن الأداء وحسن التصرف والإيمان بعدالة القضية والمعرفة الدقيقة بالمتغيرات الجيوالاستراتيجية خصوصا على عصر كورونا.وهو ما صارت إليه ديبلوماسيتنا ببرجماتية موجهة.

لقد رأينا كيف وقفت تركيا أمام فرنسا وأمام روسيا ودول أخرى تستميت في مواقفها تجاه دول عظمى.العالم يتغير بسرعة وسنكون ما نريد أن نكونه.
ليس عسيرا على المغرب أن لا يلتقط إشارات الغزل الدائرة منذ زمن بين ألمانيا والجزائر ، وآخرها سنة العسل التي يقضيها تبون هناك خلال جائحة كورونا.
فهي لوحدها دليل كاف على أن الجنرالات جعلوا من برلين الملاذ و الحضن الدافئ الذي يوفر لهم العلاج الآن وربما المنفى غدا .

لقد غيروا البوصلة من فرنسا الى المانيا اتقاء لغضب الحراك المتزايد.

المانيا بدورها التقطت هذه الحاجة المسيسة للنظام الجزائري لراع يتعهده.فسارعت الى التصرف بالوكالة عنه.

صارت تستنسخ بوعي او ربما بدون وعي السلوك الجزائري المناهض للمغرب.

والا كيف نفسر دعوتها لمجلس الأمن الانعقاد بعد تطهير الكركرات واعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالسيادة المغربية على الصحراء رغم أن ألمانيا نفسها لازالت تحت الوصاية الامريكية منذ الحرب العالمية الثانية بغير الرضوخ الإلحاح الجزائري والانجرار وراء بريق الامتيازات التي سيدرها تغذية الأوهام الانفصالية للبوليزاريو. النظام الجزائر ي الذي يعيش ورطة الحراك يستفيد من رمزية المانيا في المجتمع الدولي و التقدير الذي تحظى به ميركيل لاستعارة لسانها خلال هذه الأيام العصيبة للاستمرار في الترويج لأطروحة تقرير المصير التي تجاوزها واقع الاحداث .

لكن المغرب لم ينتفض إلا بعد أن استوثق من أن هناك خيطا ناظما يرتبط بين تصرفات ألمانيا الأخيرة تجاهه.

فهو لاينسى أن استبعاده من مفاوضات برلين حول ليبيا كان تعسفيا، وكان
هدية من ألمانيا الى الجزائر خصوصا بعد النتائج الإيجابية لاتفاق الصخيرات التي تجعل من المغرب فاعلا في الازمة الليبية والدليل موت اتفاق برلين واستمرار الفرقاء الليبيين على التقاطر على المغرب.

المانيا التي ضربت آنذاك عصفورين بحجر واحد، تحييد المغرب من خلال تغييه، وتحييد الجزائر أيضا من خلال إرضائها باستبعاد المغرب فاهمة أن ذاك هو مبلغ طموحها من حل الأزمة الليبية. مما يبين ارتهان القرار الجزائري على الساحة الدولية لمعاكسة المغرب لاغير .

وهذا نهج غريب في الدبلوماسية له اوخم العواقب على الشعب الجزائري .
ألمانيا التي عاشت أوجاع الانفصال بعد الحرب العالمية الثانية وانتصار الحلفاء عليها، وكابدت لأجل أن يتعانق غربها وشرقها مرة ثانية، و التي وحدها قبل ذلك بسمارك بالحديد والنار، و جربت ويلات الحكم النازي المستبد, ‘كيف لها أن تنفس على المغرب سعيه لتثبيث وحدته وكيف لها أن تداهن كيانا وهميا انفصاليا إرهابيا دون أن تكون غير ألمانيا الواقعية الملتزمة بالسلام ؟؟؟.
كيف تناوش ألمانيا الشعب المغربي في إيمانه وتشبثه بوحدته الترابية برفع علم انفصالي ، وهي التي قامت عقيدتها الوطنية منذ بداية القرن التاسع عشر وبعد غزو نابليون لها على فكرة الوحدة كما نظر لها آباء الوطنية الألمانية من سياسيين وفلاسفة وعلى رأسهم بسمارك والفيلسوف فيخته في كتابه ( نداءات إلى الأمة الألمانية ).

بل وهي التي نرى حاليا كيف أنها تجهد نفسها للحفاظ على وحدة الاتحاد الأوروبي خصوصا ضد المطامع الروسية التي تريد استرجاع الدول الاوربية التي كانت شرقية في الماضي القريب فقط .
صحيح أن ألمانيا لم تقطع كل الطريق في معاكسة المصالح المغربية ومن هنا أهمية القرار المغربي الذي ينبه ألمانيا الى خط الرجعة والى التدارك احتراما للعلاقات الطيبة التاريخية التي تربط البلدين وللصورة البهية الرائقة التي لألمانيا لدى المغاربة والعالم بأكمله.

فاي فعل يكف أن يكون خطرا بمجرد ما أن يكشف.هذا مايراهن عليه المغرب من خلال هذا القرار الذي ننتظر منه أن يعيد ألمانيا الى سكة الصواب او على الاقل إلى الحياد .وهذا هو جوهر السياسة الخارجية الألمانية.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*