رسالة تضامن مع الحراك الشعبي الجزائري مشفوعة بالتقدير والإعجاب والإكبار من المواطن المغربي محمد إنفي

 

رسالة تضامن مع الحراك الشعبي الجزائري مشفوعة بالتقدير والإعجاب والإكبار من المواطن المغربي محمد إنفي
بعد توجيه رسالة محبة وإخاء إلى الشعب الجزائري الشقيق في نهاية دجنبر 2020؛ وبعد أن ذكَّرت بهذا في آخر رسالة مفتوحة وجهتها يوم 14 مارس الجاري إلى الرئيس تبون (عنوانها “السيد عبد المجيد تبون، أليس من الأولى والأجدر أن تهتم بمطالب الشعب الجزائري الأبي؟”)، أجد نفسي اليوم مدفوعا برغبة عارمة في التعبير عن تضامني مع الحراك حتى لا يبقى هذا التضامن مجرد فكرة عابرة وردت في ثنايا رسالتي إلى الرئيس.
خَوْتي الجزائريات والجزائريين، بعد التحية والتقدير الأخويين، يطيب لي اليوم، والحراك مستأنِف لمسيراته بكل حيوية وإصرار، أن أعبر بنفس الوسيلة (رسالة مفتوحة) عن تضامني الأخوي المطلق مع هذا الحراك الشعبي التحرري ومع مطالبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية العادلة والمشروعة. كما أغتنمها فرصة للتعبير عن إعجابي بمستوى الانخراط الشعبي في الحراك وبمستوى الوعي الذي يميز هذا الحراك وقياداته؛ وهو ما يستحق كل التقدير والاحترام والإكبار.
خَوْتي، كم من مرة حاولت أن أستفز الشعور الأخوي لدي أركان النظام الجزائري بواسطة رسائل مفتوحة موجهة مرة إلى الجنرالات ومرة إلى الرئيس عبد المجيد تبون وأخري إلى النظام ككل وهكذا؛ وذلك لاعتقادي أن هذا لا يشكل تدخلا في الشؤون الداخلية للجزائر الشقيقة، بل أعتبره واجبا تمليه الأخوة الراسخة بين الشعبين الشقيقين ويستوجبه حق الجورة. وحتى إذا كان تدخلا، فهو تدخل من مواطن مغربي ليست له أية مسؤولية رسمية؛ وبذلك، فلا شيء يمنعني من التعبير عن رأيي ومواقفي الشخصية (ومن دون شك أن الكثير من المواطنين المغاربة يوافقونني الرأي ويتأسفون لمواقف حكام الجزائر الذين يعرقلون الوحدة المغاربية عن سبق إصرار).
خوتي الجزائريات والجزائريين، تستحقون رئيسا لا يكون مجرد دمية في يد العسكر؛ بل رئيس يكون الجنرالات تحت إمرته وليس العكس. فالعسكر مكانهم الثكنات وليس مراكز القرار في الدولة؛ ومهمتهم حراسة الحدود والتدخل في حالات الطوارئ للإنقاذ والمساعدة؛ وكذا المساهمة في بعثات الأمم المتحدة إلى بعض الدول التي هي في حاجة إلى المساعدة لاستتباب الأمن والسلم فيها.
وشعاركم، خوتي، “دولة مدنية لا عسكرية” يلخص بتركيز كبير تاريخ ما بعد الاستقلال. فمن المعلوم أن الجيش قد استحوذ على السلطة في الجزائر، خصوصا بعد الانقلاب العسكري الذي قاده هواري بومدين في أواسط الستينيات من القرن الماضي. لذلك، فشعار “دولة مدنية لا عسكرية” يشكل في نفس الوقت مشروعا مجتمعيا وبرنامجا نضاليا وسياسيا لتحقيق هذا المشروع. وهذا البرنامج النضالي يوضحه جيدا الشعار الأساسي الآخر الذي رفعه الحراك؛ وهو شعار “تغيير النظام”؛ ذلك أن تحقيق الدولة المدنية، هو تحقيق لتغيير النظام.
فالنظام العسكري الموروث عن فترة هواري بومدين، جعل من الرؤساء مجرد دميات يحركها كيف يشاء ومتى شاء، حتى وإن كانت الدمية غير قابلة للتحريك، كما هو الشأن بالنسبة لعبد العزيز بوتفليقة. وأنتم خير من يعرف هذا؛ فلولا الحراك لتحققت العهدة الخامسة لبوتفليقة ولكانت الجزائر الآن يرأسها رجل مقعد.
والعسكر، خوتي، لا يقبلون برئيس فعلي وحقيقي، يمارس سلطاته الدستورية كرئيس دولة؛ بل يحرصون على جعل الرئيس مجرد صورة في الواجهة، ولا يقبلون بغير هذا. فالجنرالات هم أصحاب القرار لكونهم هم أصاحب السلطة الحقيقيين. لذلك، فشعارات الحراك، وفي مقدمتها شعار “دولة مدنية لا عسكرية” وشعار “تغيير النظام”، تطرح الحل الحقيقي لأزمات البلاد، وهو الحل الديمقراطي؛ أي الحل المستدام.
لن أُذكِّركم بالرئيس أحمد بنبلة الذي أزاحه بومدين بواسطة انقلاب عسكري، ثم زج به في السجن وظل به لعدة سنوات حتى كاد أن ينسى. كما لن أذكركم بالرئيس الشاذلي بن جديد الذي أرغمه العسكر على الاستقالة. لكن لا بد من الوقوف قليلا عند اغتيال رئيس الجمهورية، المجاهد محمد بوضياف الذي عاد إلى البلاد بعد 27 أو 28 سنة من الغياب عن الساحة الجزائرية؛ عاد وهو كله رغبة في انقاذ الجزائر وتصحيح الأوضاع بها، خاصة بعد إيقاف المسار الانتخابي وإجبار الرئيس الشاذلي بن جديد على الاستقالة في يناير1992.
ورغم أن ملابسات الاغتيال ظلت غامضة، فإن أصابيع الاتهام توجهت للمؤسسة العسكرية في البلاد نظرا لوجود عدة قرائن تؤكد أن الاغتيال كانت وراءه الطغمة العسكرية؛ وإلا كيف سنفسر إقبار ملف التحقيق الذي فتح في النازلة؟ هذا، وقد وصف أحد المحامين المحاكمة التي نظمت لمنفذ الجريمة، وهو ضابط بالجيش، بأنها “مسرحية سخيفة ومملة”.
وإذا رجعنا إلى تصريح بوضياف يوم وطأت أقدامه أرض الجزائر بعد حوالي ثلاثة عقود من الغياب، ندرك السبب الحقيقي وراء اغتياله؛ فعقده النية على محاربة الفساد وإعلان عزمه على ذلك كان توقيعا على شهادة وفاته. فقد قال عندما نزل بالجزائر: “جئتكم اليوم لإنقاذكم وإنقاذ الجزائر وأستعد بكل ما أوتيت من قوة وصلاحية أن ألغي الفساد وأحارب الرشوة والمحسوبية وأهلها وأحقق العدالة الاجتماعية من خلال مساعدتكم ومساندتكم التي هي سرّ وجودي بينكم اليوم وغايتي التي تمنيّتها دائما”.
لا يحتاج المرء إلى ذكاء كبير لإدراك أسباب الاغتيال ودوافعه؛ كما ليس من الصعب فهم رهانات المرحلة ومعرفة الجهة التي كانت تحرك خيوط المؤامرة، من أجل الحفاظ على مصالحها الشخصية الخسيسة من خلال الاستئثار بالسلطة والاستمرار في نهب ثروات الشعب الجزائري الشقيق.
لذلك، خوتي، التاريخ والواقع يؤكدان أن بدون تغيير النظام، لن تتحسن أوضاع الجزائريين. وهذا أصبح قناعة لدى الشعب الجزائري أو على الأقل لدى غالبته. وما مقاطعة الاستفتاء على الدستور الذي طرحه تبون والإصرار المعبر عنه في الشارع لمواصلة الحراك رغم ظروف الجائحة، إلا تأكيدا لهذه الحقيقية؛ ألا وهي عزم الحراك على وضع حد لتحكم المؤسسة العسكرية في النظام.
خوتي، لا أخفيكم أنني بقدر ما أنظر إلى الحراك بكل الإعجاب والتقدير، بقدر ما أنظر بالازدراء والتحقير إلى عبد المجيد تبون الذي بدل أن يهتم بمصالح الشعب الجزائري الشقيق وينتبه لمطالب الحراك الشعبي فيفتح حوارا وطنيا حقيقيا للبحث عن مخارج حقيقية للأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها الجزائر، بدل كل هذا، يجعل شغله الشاغل وهمه الوحيد النيل من المغرب.
ويكفي أن نستحضر موقفه من اليد المغربية الممدودة من أجل البحث عن حل للمشاكل العالقة بين البلدين، خارج مشكل الصحراء الذي هو بين يدي الأمم المتحدة. فموقفه يؤكد أنه يرغب في استدامة الوضع القائم الذي يتضرر منه الجانبان وتتضرر منه الوحدة المغاربية التي تطمح إليها شعوب المنطقة. أما الغمز واللمز في حق المغرب، وبلغة تثير الشفقة، فهو أمر مقزز، ويسيء إلى صاحبه قبل أن يسيء إلى البلد المقصود به.
كان بودي أن أضيف فقرة خاصة بالإعلام الرسمي للجزائر، لكني عدلت عن ذلك، بعد أن استحضرت بعض ما سمعته من كلام الرئيس، يا حسرتاه!!! بالمقابل، أنظر باحترام كبير إلى الموقف الرسمي للدولة المغربية التي تنأى بنفسها عن التدخل في الشؤون الداخلية للجزائر.
خوتي نساء ورجال الحراك، شيبا وشبابا، أنتم الأمل ليس بالنسبة للجزائر فقط؛ بل بالنسبة لكل المنطقة المغاربية: فدوركم اليوم دور تاريخي؛ دور يتمثل، من جهة، في تحرير الشعب الجزائري من ربقة الطغمة العسكرية المتحكمة في رقاب البلاد والعباد؛ ومن جهة أخرى، يتمثل في العمل على استكمال أساسات البناء المغاربي؛ ذلك أن بناء هذا الكيان يتطلب نزع الشوكة التي تعرقل مساره، والمتمثلة في النظام الجزائري الذي تتحكم فيه الجنرالات.
خوتي، تغيير النظام يقتضي عدوة العسكر إلى الثكنات وفتح المجال أمام الشعب وتنظيماته الحقيقية من أجل بناء الدولة المدنية بكل حرية وديمقراطية وعلى أسس سليمة ومتينة.
تحية تقدير وإعجاب للحراك الشعبي الجزائري.
محمد إنفي، مكناس (المغرب) بتاريخ 20 مارس 2021

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*