عن أي حصيلة تتحدثون؟ !

في كلمة له خلال الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني لحزب “العدالة والتنمية” المنعقدة يومي السبت والأحد 20 و21 مارس 2021، شدد الأمين العام ورئيس الحكومة سعد الدين العثماني على أن حصيلة حزبه إيجابية ومشرفة، رغم ما يتعرض له من حملات تشويش وتشهير وحملات إعلامية وسياسية وأحيانا ميدانية متواصلة. مؤكدا على أن جميع المؤشرات وضمنها استطلاعات الرأي وشهادات الخبراء والسياسيين والإعلاميين تشيد بالتجربة المغربية والنجاح الذي حققته، وأن اصطفاف باقي الأحزاب في الأغلبية والمعارضة وراء التعديلات التي طالت القاسم الانتخابي، مستهدفة بذلك حظوظ الحزب في الاستحقاقات الانتخابية، لن تنال من عزيمته.
ترى ما المقصود بالتجربة المغربية والنجاح الذي حققته؟

هل يريد كالعادة إسناد المشاريع والمبادرات الملكية لحكومته، وهي التي تعيش أزمة عميقة بين مكوناتها المتنافرة؟ ثم على من يفتري العثماني حين يدعي بأن حصيلة حزبه إيجابية ومشرفة؟

قد تكون كذلك، لكن فقط بالنسبة لعدد من قيادييه الذين تحسنت أحوالهم المادية وأوضاعهم الاجتماعية بشكل لافت وفي زمن قياسي، بعد أن أسندت إليهم مهام ومسؤوليات في مناصب سامية ودواوين وزارية وجماعات ترابية، وأصبحوا يستفيدون من تعدد الأجور والامتيازات ويتمتعون ببيوت فاخرة وسيارات فارهة وأشياء أخرى…
أما السواد الأعظم من أبناء الشعب الذين لا حظ لهم من ثروات وطنهم، فيرون أنها الحصيلة الأسوأ في تاريخ المغرب، إذ ليس هناك من تعبير فصيح عن عمق معاناتهم أكثر مما يعيش على إيقاعه المجتمع من حراك شعبي متواصل، حيث تكاد الاحتجاجات والمسيرات والإضرابات اليومية لا تنقطع وتصل إلى ما يعادل 55 تظاهرة احتجاجية حسب الإحصائيات الرسمية، دون إغفال حملة المقاطعة لبعض المنتجات الاستهلاكية عام 2018 تنديدا بمسلسل الغلاء أمام ضعف القدرة الشرائية. ألم يتساءل العثماني يوما حول حجم الخسائر التي تتكبدها ميزانية الدولة من خلال تسخير الآلاف من عناصر القوات العمومية، وما تتطلب من محروقات وصرف تعويضات عن الساعات الإضافية في تأطير المحتجين وتفرقتهم، في وقت نحن أحوج ما نكون إليهم من أجل ضمان الأمن العام للمواطنين في أماكن أخرى وترشيد الموارد المالية؟
فالبيجيدي وبشهادة كبريات الصحف فوت على المغرب فرصة إقلاع اقتصادي حقيقي واللحاق بالدول الصاعدة، إذ أدخله في متاهة من التخبط والارتجال وأضاع عليه عقدا من الزمن السياسي في المهاترات السياسوية والترويج لبرامج تفتقر إلى أبسط معايير التطبيق السليم والناجع، فأين نحن من الإصلاح الموعود للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية المتردية، تحسين ظروف عيش الطبقات الفقيرة والمتوسطة، ضمان الحريات وتحقيق العدالة الاجتماعية؟ وأين هي التعهدات بمحاربة الفساد والتصدي لمجموعات الضغط التي تحتكر ثروات البلاد السمكية والباطنية والعقار والمحروقات؟ لا شيء من ذلك تحقق على الإطلاق، حيث أن الحكومة عوض أن تضع مصلحة المواطن في صلب اهتماماتها وتقدم مشروعا مجتمعيا صالحا للبلاد والعباد، ركزت جهودها على خدمة أجندة اللوبيات والتنفيذ الحرفي لتعليمات المؤسسات النقدية الدولية، ناهيكم عن محدودية برامجها في تفعيل الحكامة الجيدة وافتقار رئيسها إلى الرؤية الاستشرافية وابتكار الحلول الملائمة للمشاكل المتفاقمة…
ولعل من بين أبرز العناوين الكبرى لفشل حزب “المصباح” في قيادة الحكومة السابقة والحالية، ليس فقط محنة الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد من حيث التنكيل والتحرش والتوقيفات والمحاكمات، ولا الإجهاز على المكتسبات الاجتماعية من تقاعد وإضراب ووظيفة عمومية، مصادرة الحريات والإصرار على محاولة تكميم الأفواه، بل ما نشهده كذلك ونحن على مرمى حجر من موعد الاستحقاقات الانتخابية، من توجه عام نحو عدم المشاركة في الانتخابات القادمة لدى 64 في المائة من المغاربة، جراء امتعاضهم من سوء التدبير وترجيح المنتخبين لمصالحهم الشخصية والحزبية الضيقة على حساب المصلحة العليا للوطن وأبنائه، والتهافت على المناصب والمكاسب، فضلا عن شروع عدد من رموز الحزب في القفز من سفينته بمبررات متعددة، علما أن منهم من ظل يستفيد من ثمار المنصب على مدى ولايتين متتاليتين…
والمثير للاستغراب أن العثماني ليس وحده من يتغنى بالحصيلة المشرفة والإيجابية، إذ هناك قياديون كثر يتباهون بذات الحصيلة الوهمية، ويؤكدون على أن ثقة المواطنين بحزبهم مازالت قائمة، مما سيمنحه فرصة العودة للمرة الثالثة إلى تصدر نتائج تشريعيات 2021. فهل المغاربة بكل هذه السذاجة لتنطلي عليهم حيلهم ثانية بعد أن باعوهم الوهم ونكلوا بهم أشد التنكيل في المرتين السابقتين؟ كيف يمكن إقناعهم بالتصويت عليهم أمام التهاب الأسعار وضرب الاستثمار، الحد من فرص الشغل، إغلاق قنوات الحوار الاجتماعي، تجميد الترقيات والأجور، قمع الحريات والتراجع عن المكتسبات؟ وعن أي حصيلة يتحدثون ومعدل النمو في انخفاض مستمر إلى ما دون 3 في المائة، والمديونية بلغت أكثر من 80 في المائة من الناتج الداخلي الخام، فيما البطالة تفشت بشكل مقلق، خاصة أن جائحة كورونا كشفت عن حقيقة استفحال معضلة الفقر والواقع المأساوي للتعليم والصحة…؟
إن المغرب لم يعرف سيل من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية مثلما عرفه في عهد حزب العدالة والتنمية، حيث عاد لاحتلال مراتب غير مشرفة في مؤشرات التنمية البشرية والتعليم والصحة والشغل، ناهيكم عن استشراء الفساد بمختلف أشكاله، مما خلق استياء عارما في أوساط المواطنات والمواطنين، ودفع بآلاف الشباب إلى ركوب قوارب الموت بحثا عن مستقبل أفضل.

وإن لا ما كان الملك محمد السادس ليضطر إلى تعيين لجنة مستقلة، تقوم بصياغة نموذج تنموي جديد ينقذ القطاعات الاستراتيجية من الانهيار ويساهم في إحداث التنمية المرجوة…
اسماعيل الحلوتي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*