أمريكا في مواجهة  روسيا : أو الفشل القادم من تعدد مراكز القوة  الرافضة للهيمنة  

 

عبد الوهاب التدموري

في  مقالي السابق كنت قد تحدثت عن أزمة العقل السياسي الغربي في استيعاب التحولات الدولية التي تؤشر على إنتقال مركز القوة العالمي من الغرب إلى الشرق.

و اعتبرت وثيقة  الأمن القومي الأمريكي تكثيفا لواقع الأزمة البنيوية التي تمر بها أمريكا، كونها صيغت بعقلية المواجهة مع الشرق بهدف تكريس الهيمنة الأمريكية، وليس بصيغة التعاون  لبناء عالم جديد متعدد الأقطاب، والتضامن في مواجهة الكوارث الدولية.

إن ما يترجم هذه الأزمة في صياغة ذات الوثيقة هو أنها لا تتناسب والتوجه الأمريكي الحالي الذي وضع روسيا كأولوية  بدل الصين مع العمل على استمالة الحلف الأطلسي لهذه المواجهة بعد أن شجعت الإدارة الأمريكية الجديدة النظام الأوكراني الموالي لها منذ انقلاب 2014 ، على خرق إتفاقية منيسك للسلام في منطقة الدنباس المحاذية للحدود الروسية، والتي تمت تحت رعاية ألمانيا و فرنسا و روسيا، مع التهويل من الحشود العسكرية الروسية التي ترابض داخل اراضيها، باعتبارها تشكل تهديدا للأمن الأوروبي وإقدامها على إجراء مناورات عسكرية مع أوكرانيا في منطقة بحر الشمال التي اعتبرها الرئيس الأوكراني موجهة ضد روسيا وتحاكي الحرب ضدها .

كل هذا لقطع الطريق على اي تقارب روسي أوروبي خاصة مع ازدياد الحديث عن خط السيل الشمالي وكذا رغبة ألمانيا وبعض الدول الأخرى في التعاقد  من أجل شراء وإنتاج لقاح سبوتنيك ٧ .

إن أمريكا بإدارتها الجديدة تبدو  عازمة أكثر على إشعال الحروب وخلق الأزمات التي رأت في افتعالها مدخلا لترميم الجبهة الأطلسية التي تضررت من خطاب مواجهة الكل الذي اعتمدته إدارة ترامب السابقة، والتي ساهمت في توسيع الهوة بينها وببن الدول الأورببة وزعزعت ثقة هذه الأخيرة  بها، ومن تم العمل على إقحامها عنوة في الصراع الدولي الجديد مع من تحسبهم أمريكا أعداء يهددون مركزها كقوة مهيمنة على العالم، وذلك بخلاف ما كانت تصرح به في بداية عهدها القاضي بالتخلي عن خطاب المواجهة مع دول العالم والرغبة في حل النزاعات  الدولية بالطرق السلمية .

لكن في هذا السياق لا بد من طرح مجموعة من التساؤلات كمحاولة لفهم خلفيات هذا التوجه الجديد في السياسة الأمريكية أو ذات الصلة المباشرة بها من قبيل : لماذا التركيز على روسيا  ومنطقة الدونباس بدل الصين التي اعتمدتها الوثيقة كتهديد رئيسي للولايات المتحدة الأمريكية ؟، وهل ستتورط  الدول الأوروبية في اي نزاع عسكري مع روسيا على خلفية ما تعتبره أمريكا تحشيدا عسكريا روسيا ضمن حدودها يهدد أمن وسلامة أوروبا؟، وهل يمكن اعتبار  التقديرات الأمريكية حسب وثيقة الأمن الإستراتيجي قد جانبت الصواب حين اعتبرت الصين تهديدا رئيسيا بدل روسيا؟.

إن التناقض بين التصريحات المطمئنة  المعبر عنها في بداية عهد الإدارة الجديدة و مضامين وثيقة الأمن الإستراتيجي وأولويات  التحركات على الأرض تعكس تخبطا أمريكيا واضحا في ردة الفعل الأمريكية على واقع يتطور بمعزل عن إرادتها في إتجاه إنتقال ميزان القوى من الغرب الى الشرق.

إن توجيه الصراع   نحو روسيا بدل الصين يمكن قراءته إذن كالتالي:

– إن تعدد مراكز القوى الرافضة للهيمنة الأمريكية في الوضع الدولي الحالي ساهم في تشتيت الجهد الأمريكي و ذلك خلافا للمرحلة السوفياتية حين كان الخصم واحدا، وبالتالي يمكن أن تكون أمريكا قد رأت في روسيا  هدفا قريبا أقل تكلفة وأكثر حساسية لبعض حلفائها الغربيين.

كما أن حشر روسيا في الزاوية الضيقة سيحد كذلك من نفوذها في منطقة الشرق الأوسط و العالم، وهو  ما سيسمح لأمريكا بالتفرغ للصين لاحقا، لأن اي نزاع مسلح مع الصين في المرحلة الحالية  حتى وإن كان محدودا، قد تنتج عنه إنعكاسات سلبية على الإقتصاد العالمي وخاصة الأمريكي والأوروبي، نظرا للإرتباط القوي لإقتصادياتها بها.

ما أن اي حرب ولو كانت محدودة ستتطلب مجهودا عسكريا كبيرا  من طرف أمريكا لبعد المسافة بينهما، مع ما سيتطلبه من نقل لبعض قواتها من الشرق الأوسط، مما سيحدث فراغا لصالح إيران و كل قوى محور المقاومة و روسيا وهو ما لا ترغب فيه أمريكا رغم ما تبديه من مرونة ظاهرية  في خطابها إتجاه الملف النووي الإيراني .

كذلك لكون بحر الصين بما يحتويه من ترسانة عسكرية صينية سواء في مياهه العميقة أو على السطح قد يشكل تهديدا حقيقيا لأي قوة عسكرية معادية حتى وإن كانت أمريكية .

هذا بالاضافة إلى تواجد الجار القوي نوويا المتمثل في كوريا الشمالية التي أبدت رغبتها في الإنخراط في الإتفاق الإستراتيجي بين كل من الصين و إيران وروسيا، والتي تدين ببقائها كدولة للجيش الشعبي الصيني إبان حرب الكوريتين.

كل هذا جعل أمريكا تتخلى عن ما ورد في أولويات وثيقة أمنها الإستراتيجي وتحول المواجهة في إتجاه روسيا التي

أصبحت إذن التهديد الرئيسي، وهو ما يجد تفسيره كذلك  في التخطيط الإستراتيجي الأمريكي إذا ما استحضرنا السياسة الأمريكية إتجاه شرق أوروبا بعد تفكك الإتحاد السوفييتي، حين عمدت  إلى توسيع حضورها هناك و إدماج الكثير من دولها في حلف الناتو، بل طمحت وما تزال إلى إدماج جورجيا و أوكرانيا وذلك إعمالا لاستراتيجية  أنشوطة الأناكوندا القاضية بخنق روسيا الإتحادية داخل حدودها ومنطقة الشرق الأوسط .

لكن هل ستجاري دول الإتحاد الأوروبي أمريكا في توحهها الصدامي مع روسيا حتى وإن كان ضمن ما سميته سابقا بحرب تخويفية guére d intimidation  في منطقة البحر الأسود ؟، والتي من الممكن أن تكون لها إرتدادات خطيرة على عموم أوروبا.

وهل ستتفق على إدماح هذه الدول في المنظومة الأطلسية رغم التحذيرات المتكررة لروسيا من هذه الخطوة؟.

يظهر من خلال تصريحات  بعض المسؤولين الأوروبيين أن هناك تحفظ من هذه السياسة التصعيدية الأمريكية إتجاه روسيا نظرا لانعكاساته العسكرية والاقتصادية، خاصة ما يتعلق بخط السيل الشمالي الذي تعتبره أوروبا الغربية شريانا مهما لإنعاش إقتصادياتها.

كما أن أي تصعيد عسكري مع روسيا سيكون له رد مباشر على مراكز القيادة وتمركز القوات في الدول الأوروبية التي ستجد نفسها ساحة حرب جديدة تديرها أمريكا بعيدا عن أراضيها .

بل إن التحفظ يطال حتى ما تسعى إليه أمريكا من خلال هذا التصعيد المتمثل في التسريع من إدماج أوكرانيا  و جورجيا في الحلف الأطلسي الذي تعتبره روسيا إستفزازا مباشرا لها.

هذا في الوقت الذي تريدها أوروبا مناطق  عازلة شريكة لها، وليس حليفة ولا عضوا في الإتحاد الأوروبي الذي سيزيد إنضمامها إليه من أعباء أوروبا الإقتصادية.

قد أظهرت الأزمة الإقتصادية  الأخيرة مخاطر هذا التوسع الذي دفع بأصوات كثيرة من داخل دول الإتحاد إلى المطالبة بالإنسحاب منه، وهو ما حدث مع بريطانيا التي سارعت إلى فك إرتباطها به.

من جهة أخرى إذا كانت  أمريكا بفتحها باب المواجهة المباشرة مع روسيا عبر البوابة الأوكرانية تسعى إلى حصار هذه الأخيرة  عبر الجبهة الأطلسية بهدف عرقلة أي تقارب روسي أوروبي من خلال وضعها في موقع المواجهة معها، مع كل ما قد ينتج عنه  من دمار للأراضي الأوروببة ، فإنها بهذه الاستراتيجية ستدفع كذلك بالأوروبيبن الى إعادة التفكير جديا في جدوى هذه الٱلية العسكرية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة الأمريكية وتوظفها في صراعاتها الدولية بغرض الحفاظ على هيمنتها على العالم ولو على حساب المصالح السياسية والإقتصادية والعسكرية  للدول الأوروبية التي تكمن إستراتيجيا في الإنفتاح على روسيا كامتداد جغرافي أوروبي أسيوي يجعل من أوروبا الموحدة قوة منافسة على صدارة العالم .

ألا يمكن القول إذن أن هذا الضغط الأمريكي على أوروبا و دفعها للمواجهة مع روسيا رغم كل التحديات والمخاطر التي سبق ذكرها سيحيي نقاشا قديما جديدا حول ضرورة تشكيل قوة عسكرية أوروبية موحدة ومستقلة ؟

وبالتالي ستكون أمريكا هي الخاسر الأكبر من هذه الإستراتيجية، ليس فقط  في مواحهتها مع روسيا سواء على امتداد حدودها أو في الشرق الأوسط، بل كذلك بفقدانها التدريجي لحلفائها التقليديين من الأوروبيين الذين تربطهم مصالح إقتصادية وتجارية خاصة مع الصين ومن بعدها روسيا كحليفة إستراتيجية لها  تفوق في حجمها تلك التي تربطها بأمريكا حاليا، خاصة وأن العالم توارت فيه الصراعات الدولية على خلفيات إيديولوجية و أصبح يعتمد نفس قيم الإقتصاد السياسي الليبرالي، رغم الإختلافات الحاصلة في تطبيقاته المناطقية إنطلاقا  من القاعدة العامة التي تنسف منطق النموذج الأوحد الذي تحاول أمريكا تسويقه و فرضه على بقية العالم .

د. تدمري عبد الوهاب

طنجة 11 ابريل 2021

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*