القاسم الانتخابي وقرار المحكمة الدستورية!

 

بعد إقرار البرلمان بغرفتيه في مارس 2021 بتعديل القاسم الانتخابي واحتسابه على أساس عدد المسجلين في لوائح الدائرة الانتخابية بدل الأصوات الصحيحة. وكما كان منتظرا من قبل عديد المهتمين بالشأن السياسي في بلادنا، وخلافا لما كان يتمناه حزب العدالة والتنمية قائد الائتلاف الحكومي لولايتين متتاليتين، جاء قرار المحكمة الدستورية لإنهاء الجدل وتبديد آماله في إسقاط التعديل الذي ظل يعارضه بقوة في جميع المراحل كما لم يعارض من قبل مشاريع قوانين تضر بمصالح المواطنين.

وجدير بالذكر أنه في الوقت الذي اقترحت فيه أحزاب المعارضة “الأصالة والمعاصرة” و”الاستقلال” و”التقدم والاشتراكية” ضمن تعديلاتها على مشاريع القوانين الانتخابية، تعديل المادة 84 من مشروع القانون التنظيمي المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس النواب، نحو توزيع المقاعد على اللوائح بواسطة “قاسم انتخابي” يحتسب على قسمة عدد الناخبين المسجلين بالدائرة الانتخابية على عدد المقاعد المخصصة لها، وأن توزع المقاعد الباقية حسب قاعدة أكبر البقايا، معللة ذلك بالرغبة في تحقيق تمثيلية موسعة للناخبين، وإعطاء كافة القوى السياسية فرصة المشاركة في بناء القرار بالمؤسسة التشريعية، وهو التعديل الذي انحازت إليه أحزاب الأغلبية ودعمته فرقها…

أبى حزب العدالة والتنمية إلا أن يتصدى للتعديل بشدة دون أن يفلح في منع المصادقة عليه بالبرلمان. ومن ثم أعلن رئيس فريقه بمجلس النواب مصطفى الإبراهيمي عن نية الحزب في اللجوء إلى جميع الوسائل القانونية للطعن في التعديل، معتبرا أنه غير دستوري وغير ديمقراطي، وأنه نتاج ممارسة لا أخلاقية أدت إلى خرق “ميثاق الأغلبية”، بعد تحالف فرق الأغلبية مع نظيرتها في المعارضة، والاتفاق على تمرير تعديل تعرف مسبقا أن الحكومة عبرت عن رفضها له في شخص وزير الداخلية عبد الوفي لفتيت، وأن فريقه يضع ثقته الكاملة في المحكمة الدستورية لتصحيح ما يراه مخالفات جسيمة وإنصاف حزبه. رافضا بمعية قياديي الحزب أن تتحول العملية الانتخابية إلى محطة لتوزيع المقاعد بين الأحزاب المشاركة بالتساوي دون منافسة حقيقية. مما سيؤدي إلى بلقنة المشهد السياسي، ضرب أساس العملية الديمقراطية والإسهام في رفع نسبة العزوف الانتخابي، فضلا عن أن التعديل يخالف الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من لدن المغرب، ويعاكس المراجع الفقهية والتجارب المقارنة، ويشكل تراجعا وانتكاسة خطيرة على الديمقراطية التمثيلية بالبلاد…

بيد أن رأي قضاة المحكمة الدستورية حول طعن البيجيديين في المادة 84 المشار إليها في الفقرة الثانية أعلاه جاء مغايرا لرأيهم، حيث صدر في يوم الجمعة 9 أبريل 2021 حكم يقضي بإقرار تعديل القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، مؤكدا على أنه لا يخالف مقتضيات الدستور ولا يمس بحرية ونزاهة الاقتراع وشفافيته، ولا بدور الانتخابات التي تعتبر أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي. فأين نحن إذن مما يدعيه البيجيديون من كون القاسم الانتخابي على أساس المسجلين غير دستوري وغير ديمقراطي؟

فالديمقراطية بإيجاز ليست شعارات ترفع عند الحاجة ولا يمكن تجيير مفهومها حسب أمزجة البعض، بل هي سلوك وممارسة يومية. وعلينا أن نحولها إلى ثقافة عامة وأداة للتفاهم والتعايش بين أفراد المجتمع وبينهم وسائر المجتمعات البشرية. وأن نحرص بشدة على إصلاح الذات وغرس قيم المواطنة فيها، بما يساهم في بناء مجتمع قوي، يكون أفراده أحرارا في إبداء الرأي والانتقاد والاقتراح والمبادرة والانخراط في تكوين مصيرهم ومصير الوطن، بعيدا عن الصراعات الحزبية. ثم إن التغيير الحقيقي هو تغيير الرؤية والنهج والسلوك، فقد تعود الكثيرون منا على الطلب والأخذ دون العطاء، والمناداة بالحقوق دون الواجبات. والعبرة من الديمقراطية تطبيقها وليس تحويلها إلى كلمة حق يراد بها باطل، أو مطية لتحقيق المصالح الحزبية الضيقة، والتهافت على المناصب والمكاسب…

ومرة أخرى يثبت حزب “المصباح” أن لا أهمية للديمقراطية والوثيقة الدستورية ما لم تكونا في خدمة مصالحه. إذ بينما كان يفترض امتثاله لقرار المحكمة الدستورية وإعطاء القدوة في احترام المؤسسات، لاسيما أنه هو من طلب الاحتكام إليها بعد إخفاقه في فرض رغبته على باقي أحزاب الأغلبية، باعتبارها مؤسسة وطنية تحظى بمكانة طيبة وأن قراراتها ذات مصداقية، ملزمة للجميع ولا تقبل الطعن، وأن الساهرين على صياغتها فقهاء دستوريون أجلاء ومقتدرون. فإذا بقيادييه يكشرون عن أنيابهم، ويصرون على التمسك بموقفهم في عدم ديمقراطية احتساب القاسم الانتخابي على أساس المسجلين، حيث يرونه بلا جدوى ويمس بمصداقية المؤسسات المنتخبة، ويجعلها غير جديرة بالتعبير عن إرادة الأمة، بل ذهب بعضهم إلى اتهام عدة جهات برغبتها في إضعاف الحزب وإزاحته عن صدارة المشهد السياسي. وإلا ما معنى قول كبيرهم ورئيس الحكومة العثماني، بأنه رغم أن البرلمان صادق على القاسم الانتخابي في صيغته الجديدة وأيدته المحكمة الدستورية، فهو مرفوض. ثم يسترسل في تجييش شبيبة حزبه ضد القرار، داعيا إلى مواصلة “النضال”؟

إن البيجيدي مطالب اليوم بإعادة قراءة الواقع بعين فاحصة، ليتأكد جيدا من أن المغاربة لم تعد تنطلي عليهم حيله في ما أوغل في اعتماده من نفاق سياسي وخطاب المظلومية ونظرية المؤامرة، لإيمانه الشديد بأنها الأساليب التي ما انفكت تؤتي أكلها في دغدغة العواطف واقتناص أصوات الناخبين. وليعلم جيدا أنه ليس من حقه إطلاقا المس بمصداقية المؤسسات، حينما يصف بعض قيادييه قرار المحكمة الدستورية ب”العبث” أو “الرسالة السيئة” التي لن تضر بالحزب وحده بل بالوطن ككل…

اسماعيل الحلوتي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*