السينما المغربية: إما أن تكون أو لا تكون

عبد الاله الجواهري

– قبل البدء: الله يجيب اللي يفهمنا.
قبل البدء أريد أن أوضح، أنني مع السينما المغربية في السراء والضراء، ومع مشاريع الأفلام التي يجب ألا يتم الإجهاز عليها لأي سبب من الأسباب، ومع السينما الوطنية الحقيقية، التي تساهم في تجذير الذائقة الإبداعية للمغاربة، وتصون ثقافتهم ومكتسباتهم الفنية الأصيلة.
بمعنى أنني لست ضد مشروع ما أو أي أحد من الزملاء والأصدقاء، وإنما ضد اللعب بمستقبل السينما المغربية وكل من يلعب بالنار، باسم الانتصار للقانون والشرعية الفنية، بينما الأمر في العمق مجرد انتصار للمصالح الخاصة الضيقة، ولعب بنار حارقة في ساحة الألغام المزروعة حول السينما المغربية بكل عناية، من طرف جهات تكره الفن والسينما، وتربص بعض أرباب المال والأعمال، الذين انتبهوا مؤخرا للقطاع، وبدأوا يبحثون عن وسيلة أو معبر لوضع اليد عليه، والإجهاز على الدعم باسم القانون وتحويله لدعم خاص تستفيد منه الحيتان الكبيرة.
كيف؟؟؟. سأشرح ذلك…
1- الصيف ضيعت السينما المغربية اللبن.
ما يجري ويدور، هذه الأيام في الساحة السينمائية المغربية، من مستجدات وغرائب الأمور والمواقف، إلى جانب الشد والجر والقطع والضرب من تحت وفوق الحزام، لا يبشر بأي خير. وذلك من خلال النقاشات والفذلكات الحوارية، والمراسلات والمكالمات سرية، التي تقتات أكثرها على تصريف مواقف شعبوية مصبوغة بألوان باهتة في ضرورة وقف العبث، والدفاع بكل حماس عن مصالح شخصية بائرة، بينما حقيقة الأمر تصفية الحسابات بين شركاء وأحباء سنوات التسعينات وبداية الألفية الجدية من جهة، وأصدقاء البارحة من جهة أخرى، وهي حسابات قائمة على وعي سينمائي فج، تحكمه حسابات الربح والخسارة وروح الانتقام التي لا تمت في العمق، للفن بأدنى صلة.
لا أحد أفضل من أحد وسط هذا الجمع العظيم من السينمائيين “المتقاتلين”، سواء منهم المعارضون أو المبايعون، ومعهم كمشة المتناقشون المتحاورون المتخاورون الذين سقط بهم الوقت، بينما جلهم لا يعرف شيئا من بواطن الأمور، بقدر ما تهزهم نزوة الكتابة، من أجل الكتابة، التي يحاولون من خلالها اكتساب شرعية الوجود والدخول في الزحام.
كل هؤلاء، الشاحذون للألسنة والأقلام، لهم نصيب من روح الأزمة التي تتربص بسينمانا، السينما التي يضرب بها المثل في كم الإنتاج، والحضور الوازن في المهرجانات والأنشطة، عربيا وافريقيا، وحتى المنتديات العالمية.

أصل المشكل، وجذور الحرب والقتال، والتنافس الفج، تم زرع بذوره الأولى، كما يعرف الجميع، منذ عهد بائت فائت، العهد الذي لازال يبكيه بعض الأيتام، بعد أن وجدوا أنفسهم اليوم، ودون سابق إنذار، في مأدبة لا تقيم لهم وزنا، عهد سنوات الرصاص السينمائي، وخنق حرية التعبير النقدي، والتصويت المشبوه بقرع الكأس للحزب السينمائي الحاكم، عهد كان قد تم خلقه من خلال سياسة الجزرة والعصا، عهد زرع الفتنة، وتشرذم الإطارات السينمائية والغرف المهنية والجمعيات الثقافية، التي تحولت، بإرادة ميكيافيلية، إلى اطارات مضاعفة صوريا وواقعيا، وبائرة عمليا، أي كانتونات نقابية وجمعوية.

لتندلع على إثر ذلك حرب البسوس السينمائية، وتكثر الثارات والغارات التي لا زالت قائمة إلى اليوم بسيوف مثلومة صدئة، وتنسى في خضمها مصلحة الفن السابع المغربي، وينتصر الكل لروح الإنتقام والعنجهية، المستمدة من بداوة التفكير وغلبة الهيمنة، مع سيادة شعارات كالحة باهتة، منها: “أنا أو لا أحد”، و”علي وعلى السينما المغربية”، أي بلغة الإنتهازية: “والله لا كانت شي سينما في هذا البلد ما دمت غير مستفيد.”…

2- واقع جديد بجروح نبالة العهد القديم.
الإدارة الجديدة (الحالية) للمركز السينمائي المركزي التي تسلمت المشعل قبل سبع سنوات وسط ضجيج القيل والقال، والتحدي المقرون بضرورة الانتصار والجلوس حيث كان يجلس قيصر السينما. وجدت في هذه الأجواء مجال أرحب لتوسيع مستنقع الفرقة والنزاع، مجال لبسط النفوذ أكثر، وتكريس تقاليد جديدة وممارسات بيروقراطية مقيتة، تحول على إثرها بعض الموظفين سادة جبابرة، يرتعد أمامهم وأمام مراسلاتهم وقراراتهم، المنتجون والمخرجون والتقنيون، بل كل من اختار، في هذا الزمن الأغبر، أن يكون سينمائيا، أو أراد أن يستفيد من السينما فنيا وفكريا وثقافيا. وليصبح معه الفنان السينمائي المغربي قزما يقف احتراما للموظف، بعد أن كان في سنوات العز والعقل والمنطق والروح الغامرة بالحب، هو الذي يقف اجلالا واكبارا للفنان، وينتظر قدومه بشوق ممزوج بكثير الاحترام والتقدير، والتسابق لخدمته وأخذ صورة معه.
3- إني اتهم.
المتأمل اليوم للوسط السينمائي المغربي، خاصة العارف بخفايا التاريخ السينمائي المغربي، والنقاش والأشخاص، سيتحسر ويبكي كمدا، وهو يتابع عن قرب، من كان يأكل، دون وجه حق، لسنوات من جفنة الدعم، ويحارب دون هوادة الطاقات الشابة، بالدفع في سن القوانين التنظيمية المجحفة، والإكثار من زرع المطبات، ولعب دور الشيطان في الإيقاع بين السينمائيين، وخلق التوتر بينهم والعداوات، كيف أصبح ثائرا منتفضا يناضل من أجل تثبيت “الحق” المغتصب، ومناهضة كل أشكال الظلم، والتطبيع والاستبداد، والاستفراد بالقرارات، ويدعو، بصوت جهوري، لتثبيت الشفافية، والحكامة في التسيير والتدبير. كما سيتألم (المتأمل العارف)، في نفس الآن، ألما شديدا، وهو يرى من كان في الأمس القريب، يحكم وينهي باسم القرب من الإدارة والسيد المدير، ويفرض نوعية الأفلام التي يجب أن تمثل المغرب في المحافل الدولية، بل ويختار لجان تحكيم كل دورات المهرجانات الوطنية، خاصة منها مهرجان طنجة للفيلم الوطني، ويستولي على الجوائز عنوة، ويوظف الكتبة وبعض النقاقيد للتصفيق والزغردة، كيف أضحى اليوم مظلوما غارقا في لوعة الحزن على واقع السينمائي المغربية، والقوانين التي يتم التلاعب بها، القوانين التي تستهدفه قبل أن تستهدف غيره، وتحد من انطلاقته التي بناها بموهبته ووجاهة تفكيره، وهلم جرا من فذلكات البكاء والشهيق والتنوخيس بين يدي المواقع الزرقاء والصفراء والخضراء.
إلى جانب هؤلاء وهؤلاء، أي فريق الأمس البعيد وفريق الأمس القريب الذين أصبحوا اليوم سمن على عسل، توحدهم الثارات والمطالبة برأس كاليغولا، هناك سينمائيون “طيبون حكماء” واقفون صامتون، لا هم في العير ولا في النفير، ينتظرون النتائج، ومعرفة إلى أي جهة ستؤول الغلبة، للإسراع في تقديم التهنئة، وشرب الأنخاب على شرف كرامة السينما المغربية المهدورة المنذورة للخراب.
4- ما مآل الصراع؟.
حقيقة الصراع يا سادة، وكما أشرت، صراع الأهواء والعقول المتورمة، والبطون المتضخمة، وليس صراع الفن أو السينما، صراع، في اعتقادي، لن يبقي أو يذر على مجموع المكتسبات السينمائية، التي ناضل من أجل تحقيقها السينمائيون المغاربة الرواد منذ سنوات الستينات من القرن الماضي، مكتسبات يريد أن يجهز عليها البعض عن وعي، وآخرون عن قلة وعي، وفريق ثالث عن جهل، ليستفيد في نهاية الأمر، من هذه الحرب الضامرة الخاسرة، أعداء السينما والثقافة، أعداء بهويات مظلمة ينتظرون وينظرون لجموع الفنانين كأعداء، والفن كقلعة يجب الاستيلاء عليها وتدميرها نهائيا، من أجل إطلاق اليد في نشر جلسات الحضرة والبخور، ونشر كتب الجنة والنار، ودعم الأفلام النظيفة المنتصرة “لحسن الأخلاق”..
لا أحد من السينمائيين والإداريين سينتصر في التحدي ولعبة اليد الحديدية وكسر العظام، لأنه، وإن كان لكل فريق حججه وأنصاره والحياحة الذين يشجعونه، فإن للدولة مصالحها وأولوياتها، مصالح وأولويات ليس للثقافة فيها مكان، وبالتالي ستترك الأمر على ما هو عليه، حتى تنضج الثمرة لقطفها ومدها على طبق من فضة للباطرونا وأصحاب الحال، ونستفيق حينها على الخراب الذي صنعناه بأيادينا.
5- ما العمل؟.
قبل كتابة ما هو مكتوب أعلاه، قال لي صديق سينمائي: ” دع الفخار يكسر بعضه بعضا يا صديقي”
أجبته بكثير من القناعة وحب سينمانا الوطنية: “الفخار إذا انكسر ستتوزع أجزاؤه وتنتشر شظاياه على طول طريق وساحات السينما بالمغرب، أجزاء وشظايا ستوخز أقدام السينمائيين وتدميها، وتدفع الشباب لتجنب السير والتجول فيها، بل كرهها والابتعاد عنها. ألا تعلم، يا عزيزي، أن الثيران عندما تتصارع فإنها تحطم كل ما هو موجود حولها، وصراع بعض هؤلاء المندفعين الغاضبين سيحطم بنيانا شامخا حقيقيا”..
على الجميع، سينمائيون ومؤسسة وصية، أن يحتكموا لروح العقل وللمصلحة العامة القادرة على صون ذاكرتنا وواقعنا السينمائي الذي نفتخر به. وأن يترفعوا عن الأرباح الزائلة وثقافة القيل والقال، وشحذ السكاكين الصدئة على صخور الحقد وجدران الكراهية.
ندعو العقلاء منا أن لا يقفوا في صف الخذلان، أو يصمتوا صمت الحملان، فالأجيال القادمة لن ترحم أحدا، ستحملهم كامل المسؤولية لما سيؤول له الوضع. كما أن التاريخ سيحاسبهم حسابا عسيرا، ويكتب أسماءهم بمداد العار إنهم تخلفوا عن القيام بواجباتهم الفنية والثقافية. عليهم أن ينتصروا لروح العقل والمصلحة الوطنية، ويتحملوا مسؤولياتهم في رأب الصدع، ورد العقول المنفلتة من عقالها، وردع المندفعين المتكلمين بكثير من الغل والحقد عن بعضهم البعض، وتنبيه النافخين في الجمر، الخارقين للقانون، أن القانون الذي يتأففون منه لم يسن اليوم، بل قانون عاشوا وعاثوا في كنفه طويلا، قانون لم ينتبهوا له إلا عندما طبق عليهم وليس على غيرهم. وكم من مخرج ومنتج قد اكتوى بناره ولم يلتفت له أحدا لصرخاته، لأنه غير مسنود بقوة ما أو علاقات ترمم جراحاته وتخفف من غلواء خسارته.
لقد حان وقت الجد في صون سينمانا، والنضال نضال الكبار، في الحد من الطغيان القانوني الذي يجبر شابا يحلم بصنع فيلم أن ينضبط لقانون يطالبه بأن يستجيب لضرورة أن يشتغل كمن له الدعم والأموال. وأن تعود الغرف لممارسة مسؤولياتها، التي جردت منها ذات عصر زائف بائر، في تعيين اللجان أو تنظيم التظاهرات الوطنية بشكل مباشر، خاصة المهرجان الوطني للفيلم بطنجة، وصوغ القوانين المنظمة للقطاع بكثير من الشفافية، قوانين تصون انطلاقة الفن بهذا الوطن الغالي، دون تدخل من جهات عليا أو سفلى، أو تقافز موظف في وزارة وجد نفسه بالصدفة موظفا بمسؤوليات أكبر من معرفته وذائقته الفنية والإنسانية. وأن تعطى للأندية السينمائية مكانا حقيقيا في صون الذاكرة، واشاعة جو الثقافة السينمائية عبر ربوعنا المغربية، وجعلها شركا حقيقيا في كل الخطوات.

وأن يحتفى بالنقد والنقاد، لأنهم وحدهم من يستطيعون أن يهشوا بعصيهم الفكرية وحجارتهم المعرفية، على كل الذئاب المتربصة بأفلامنا المنتصرة للجمال، الأفلام الجريئة في الفضح وقول الحق والانتصار للفن.
خلاصة القول:
أخاف أن تحطم هذه “الحرب” الخاسرة كل شيء اكتسبناه عبر سنوات من النضال، لأنها حرب فجة ناتجة عن مبادرات محكومة بروح الفردانية، التي تبتعد كليا عن الروح الجماعية، حرب رافعة، أولا وقبل كل شيء، راية تصفية الحسابات والانتقام من مسؤول بعينه وليس غيره، وتجذير المصالح الذاتية الضيقة النيئة، بدل البحث عن انتزاع المزيد من المكاسب لصالح السينمائيين.
على الجميع احكام العقل ومواجهة أخطاء الإدارة بإرادة جماعية وليس فردية، إن اتفقنا على أنها فعلا مخطئة، بكثير من حكمة الفنانين والمبدعين، وليس تهافت الطارئين والسماسرة. والوعي جيدا بأن سينمانا الوطنية يتربص بها (كما سجلت سابقا) طيور الظلام، وتحالف أصحاب المال والأعمال، ممن يحلم بتصفية تركة نفيسة، والاستيلاء عليها بتحويلها لمجالات المضاربة، وتصوير أفلام المقاولات، والطبخ السريع، والتوجيه الذي ينتج أعمالا شائهة مشوهة، تلد المال والأعمال السوليمائية المكرسة لروح التواضع والوضاعة في التفكير والتعبير.
وكل عام والسينما المغربية بألف خير.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*