الكسال

 

مصطفى الخداري نائب مدير مدرسة عمومية بأمستردام
دار الحديث التواصلي الأول مع أُستاذة زهرة في جو جميل ساده الاحترام المتبادل.

تعرفت الأستاذة أكثر على أسرة زهرة وهي تستمع بكل جدية للمعلومات المقدمة من طرف الأب حول طفلته و أسرته, و تابع هذا الأخير بكل دقة حديث الأستاذة.

وكيف لا و زوجته – التي تعذر عليها الحضور – في انتظار تقرير مفصل عن هذا اللقاء! و ستمطره لا محالة بوابل من الأسئلة التي لا مفر له من الاجابة عليها. والا…
هذا الحديث التواصلي الذي دأبت هذه المؤسسة التعليمية القيام به كل سنة قي اليوم الأول من السنة الدراسية, يهدف الى تقريب الأباء والمدرسين من بعضهم البعض و توضيح الأدوار المنوطة بكل طرف و كدا التفاهم أيضا على طريقة التواصل طيلة السنة الدراسية.

كل هذا من أجل تيسير العملية التعليمية للطفل وتشجيع الآباء على التواصل مع المدرسة.

ولقد أتبثت العديد من الدراسات الرسمية أن مشاركة الآباء في العملية التعليمية داخل المدرسة وخارجها لها وقع ايجابي على نتائج الأطفال.
بعدما تطرقت الأستاذة الى الأدوار والمساعدات التي يمكن للأباء المساهمة بها داخل المدرسة, بادرته بالسؤال التالي:
-” هل يمكنك القيام بعرض داخل القسم, تعرف به الأطفال حول مهنتك؟”
مشروع جديد سلكته المدرسة هذه السنوات الأخيرة للاستفادة من خبرة وتجارب الآباء. و كانت نتائجه باهرة.
إحدى الأمهات التي تعمل كطبيبة مولدة, حولت القسم السنة المنصرمة الى مصحة توليد. و أحضرت جل المعدات التي يُشتغل بها أثناء عملية التوليد.

وبعدما قامت بشرح طريقة العمل التي تتم في هذا المجال و تسمية المعدات التي يُشتغل بها. باشرت العمل رفقة التلاميذ و كأنهم فريق عمل محترف يقوم فعلا باستقبال أحد الأمهات و مساعدتها على الولادة.
أب آخر يعمل في شركة للنقل الحضري, خصص حافلة خاصة لنقل تلاميذ القسم الى مقر الشركة. وهناك استمعوا الى الشروحات وعاينوا الاجراءات التى يتم سلكها قبل وبعد إقلاع الحافلة لنقل الركاب.

و قاموا بأدوار في هذا الاتجاه.
أحد الآباء أخذ على عاتقه العناية بحوض السمك المتواجد في مدخل المؤسسة. فهو الذي يقوم بتنظيفه و إطعام الأسماك المتواجدة فيه. وفي بعض الأحيان يشاركه بعض التلاميذ في عمله هذا.
ظل أبو قاسم, والد زهرة, صامتا لوهلة. و قبل أن يرد على سؤال الأستاذة, لمح نظرات ابنته و كأنها تقول له: اقبل الدعوة.
استمر في شروده. راودته أفكار عدة في ظرف وجيز و هو يستعرض المهن المتعددة التي مارسها في حياته. كانت البداية كطراح يطوف على المنازل ليحمل وصلة الخبز الى فرن الحومة مقابل بعض الدريهمات أو قطع خبز, مايسمى بالكسرة. و في نهاية اليوم يضيف له ” المعلم” بعض أقراص الخبز الصغيرة.

حيث كان يحمل بعضها للبيت و البعض الآخر يبيعه لكسب بعض النقود يساعد بها أمه على مصاريف البيت.

لقد عاش يتيما منذ صغره ولم يسعفه الحظ لمتابعة دراسته الثانوية.

و بعدها انتقل لللاشتغال كمُتعلم في الحياكة التقليدية. هذه الصنعة التي لم ترقه منذ البداية. فلم يعمر فيها طويلا ثم اقتحم ميدان الكسالة على مصراعيه.
” حبذا لو تكون المهنة تقليدية ولم يسبق لأحد أن عرضها في القسم”. أضافت الأستاذة.
ظلت زهرة محملقة بعينيها آملة من قلبها الخالص وهي تنتظر الاجابة التي ستصدر عن والدها. ارتسمت على محاياها ابتسامة بريئة وتذكرت القصص العديدة التي كان يحكيها أبوها. عن الفران والخياط و….ثم تلفظت بكلمة ” الكسال يا أبي”.
طبعا لم تستوعب أستاذتها الهولندية معنى الكلمة. وتحاشت أن تسأل عن معناها. ولكنها أدركت من خلال ملامح الوجه المتبادلة بين زهرة وأبيها أن الاجابة ستكون ايجابية لا محالة.
لقد كان أبو قاسم يمطر زهرة بالحكايات المتنوعة حول طفولته في حي العكاري العتيق. و كانت قصص الحمام غالبا ما تنال نصيب الأسد و تجلب انتباه زهرة بشكل كبير .

ربما يرجع هذا للذكريات الجميلة التي كانت تقضيها بين أهلها في المغرب. فكلما حلت هناك كانت زيارة الحمام صحبة الخالات و بناتهن من بين الأنشطة التي لا يمكن الاستغناء عنها ولو مرة في الأسبوع على الأقل.

كانت قصص و مناظر الحمام تنساب على زهرة كلما تذكرت مسقط رأس والديها. و كانت الحكايات التي تروى من طرف النساء داخل ” الكلسة” بعد خروجهن من الحمام تشد انتباهها بشكل كبير.

قصص حزينة وغريبة ومتنوعة المواضيع. إن الحمام التقليدي بالنسبة للنساء ليس فقط مكانا للتخلص من الأوساخ, وإنما فضاء خاص تلتقي فيه النسوة بكل حرية, بعيدا عن أعين الرجال التي تلاحقهن أينما حللن وارتحلن.

فضاء تفرغ فيه النساء همومها و تستمع فيه أيضا للنصائح والارشادات والتجارب التي تتلقاها من طرف المستمعات.

كانت زهرة تنتشي وتملؤها سعادة عارمة عندما تجلس جنب جدتها الحاجة كنزة بالقرب من مكان ” الكلاسة”. مكان خاص كانت تحتفظ به هذه الأخيرة لها.

لأن الجدة كانت من الزوار المدمنين على الحمام. وكانت تقضي فيه أكثر من نصف يوم. بضع سويعات في الغسل تحت إمرة “الكلاسة” والباقي في القيل والقال داخل ” الكلسة” مع نسوة الحي.
أما قصص الرجال في الحمام فكانت تستقيها من أبيها الذي مارس مهنة ” كسال” لمدة طويلة قبل أن تتاح له فرصة الهجرة.

لقد كان معروفا في الحي بكامله و يطلق عليه ” بّا قاسم الكسال”. بنيته القوية كانت تساعده على تحمل حرارة ” البرمة” و المكوث أطول مدة داخل الحرارة المفرطة. متنقلا بين زبون وآخر وبيده خرقته السوداء التي يحاول بها إزالة الوسخ و تحرير المسام الجلدية مما علق بها من إفرازات سوداء تكبر شيئا فشيئا ثم تسقط كالدود المنتشر على الأرض.
بمجرد أن يطلب الزبون خدمة ” الكسال”, يتسلم هذا الأخير زمام الأمور و يصبح هو الآمر والناهي. يغسل له أولا مكانا و يأمره بالجلوس فيه ريثما تسخن ذاته و يحمل سطول الماء من البرمة. ثم يطلب منه الانبساط ليمر على أعضائه بالحك.

و بعد ذلك يأمره بالانبطاح على الجهة الأخرى. وما على الزبون إلا أن يمتثل للأوامر.

خصوصا عندما يشرع في عملية التدليك. فالكسال خبير بالتجربة فيما يخص العضلات والمفاصل والعظام.

يقوم تارة بالضغط ومرة أخرى بجر أعضاء الجسم محدثا في بعض الأيان أصوات طرطقات العظام.

دليل على أن جسم الزبون قد استفاد من سخونة الحمام.

وهكذا يكون الزبون قد استفاد من الكسالة و التدليك في آن واحد وبثمن مناسب. فينصرف الى “الكلسة” حتى يستعيد أنفاسه من جديد و يعود غالبا في الحال الى بيته. خلافا لعادة النسوة.
وافق أبو قاسم على تقديم عرض حول مهنة الكسال داخل القسم. انبسطت الأستاذة للخبر و ضربت له موعدا.
غير أن ردة فعل زوجته كانت غير متوقعة. لم تعجبها فكرة تقديم عرض حول مهنة ” الكسال” أمام تلاميذ القسم بالمرة.
” أتريد تشويه سمعتنا في الحي أما العادي والبادي؟ ” . كان ردها حول الفكرة.
حاولت زهرة إقناع أمها, لكنها لم تتقبل الأمر بتا. لكن أبا قاسم كان مصرا على تنفيذ فكرته. لأن ذكرياته مع تلك المهنة أكسبته احتراما و تقديرا كبيرين داخل الحي. و عن طريقها تعرف على العديد من الأصدقاء الذين بواسطتهم أتيحت له فرصة الهجرة الى هذا البلد. وبالتالي ولوج باب الدراسة والتكوين.
تطوعت زهرة لمشاركة أبيها في إعداد العرض و الحديث عن تجربتها مع الحمام. وكان عرضا ممتعا ومفيدا للجميع. آثار انتباه التلاميذ و حفزهم على المشاركة و طرح أسئلتهم. و أبانت زهرة عن إلمامها الكبير بكل ما يروج حول الحمام. وكانت الغبطة بادية على محياها و هي تشارك أباها في هذا العرض.
لقد عاش أبوقاسم في بداية حياته تجربة ليست بالسهلة . ولو أنه أجبر على العمل مبكرا والتخلي عن الدراسة, استطاع أن يأخذ المشعل من جديد و يكون نفسه ويحقق أحلامه. هذه هي العبرة التي أراد أن يبلغها من خلال عرضه.

و التي وفق فيها بامتياز ولو أنه لم يحول القسم الى حمام!
أبو قاسم يشغل حاليا منصب رئيس قسم التصدير في إحدى الشركات الإلكترونية بهولاندة.
مصطفى الخداري نائب مدير مدرسة عمومية بأمستردام

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*