العقيدة الوطنية

سياسي/  رشيد لمسلم
نحن نعرف ونؤمن بأننا مملوؤون غيرة على بلادنا وقضية شعبنا، ونحن مرتبطون روحيا بمبادئ وطننا، وإلى حد بعيد مرتبطون فكريا بهذه المبادئ، والى حد أقل وأبسط مرتبطون عمليا.

وواجبنا أن يصبح ارتباطنا العملي في مستوى ارتباطنا الروحي والفكري.

ولا أقول هذا فقط عن وضعنا الحاضر وأننا ما زلنا في وضع خاص، وضع الدراسة الذي لا يؤهل لحمل مسؤولية الوطن بكل نواحيها، فنحن نعرف ذلك ونقدره، ولكن الوطن لا يخاطب مواطنيه بالنسبة إلى اليوم الحاضر فقط، الوطن يفترض أن مواطنيه استوطنوه ليبقوا فيه نهائيا وليربطوا مصيرهم بمصيره، وأنهم بعد أن يجتازوا وضعا خاصا معينا سيستقبلون وضعا آخر قد يكون مستقلا، وفي أي وضع وجدوا، فهم مطالبون دوما أن يجعلوا الواجب الوطني على رأس الواجبات.

فسواء اعتبرنا وضعنا الحاضر أو نظرنا إلى وضعنا المقبل، علينا أن نعرف أن المسؤولية الوطنية تتطلب جدية أكثر بكثير مما ألفنا واعتدنا حتى الآن.
إننا كثيرا ما متمسكون بعقائدية الوطن ، ونظهر الحرص عليها والخوف من أن ينالها أي تشويه. وطبيعي باعتبارنا الجزء المثقف من الوطن، أن نشعر أكثر من غيرنا بهذا التجاوب بيننا وبين العقيدة، وان نظهر عليها مثل هذه الغيرة.

ولكن في واقع الأمر ما هي العقيدة؟ هل هي المبادئ المسطورة سواء أكانت مختصرة أم مفصلة وسواء أكانت واضحة أم نصف واضحة؟ هل العقيدة شيء مكتوب وشيء للمعرفة والدرس، يستوعبه الذهن فقط؟ وهل هي امتحان مدرسي كامتحاننا ؟ هل العقيدة هي هذا الشيء السطحي الذهني؟ وهل هي أن نحفظ ما يملى علينا وأن نقارن بين ما حفظنا وبين ما يطبق بعيدا عن مشاركتنا في تنمية الوطن، فنجد أحيانا أن التطبيق بعيد عن الدرس الذي حفظنا؟
من تحصيل الحاصل أن نقول أن العقيدة هي أبعد ما تكون عن الدرس المحفوظ.

إنها وان كانت لابد ان تمر بطريق الذهن حتى تفهم، غير أن الذهن ليس إلا طريقا، ليس إلا ممرا لا أكثر.

وواجب هذا الممر أن ينقلها إلى الشعور وإلى الأخلاق والحيوية بكاملها، فتتحرك شخصية الإنسان: تتحرك روحه، تتحرك عاطفته وأخلاقياته فيسجل مواقف جدية.

ورب أناس يفقدون هذا الممر الذي يتوفر لنا نحن، أي ليس لهم ثقافة.

رب أناس لا يفكرون في العقيدة لأنهم لا يملكون وسائل المعرفة الكافية ليجعلوا من العقيدة فكرا.

ولكنهم يستطيعون أن ينقلوها إلى الأخلاق والعاطفة والحيوية كلها ويستطيعون أن يجسدوها عمليا في مواقف حية وجدية.

وهؤلاء قد يكونون أكثر عقائدية من المثقفين.
أتيت بهذا المثال المتطرف لكي أنبه تنبيها عنيفا إلى أن الذهن وحده غير مجد، مع اقتناعي بأن لا عقيدة جدية دون تفكير، وأن عقيدة الفئات غير الواعية لا يمكن أن تكون جدية ولا يمكن أن تكون مضمونة متينة وبالتالي لا يمكن أن تخلص من الشوائب.

إلا أنه يجدر بالمثقفين ألا يغتروا وألا يناموا على ثقة الثقافة.
إذ لا فائدة من المعرفة عندما تكون خاتمة المطاف، وعندما تصبح غاية في حد ذاتها. فالمعرفة جسر إلى العمل الجدي، وإذا لم تكن كذلك فهي أفيون للتخدير وهي واسطة للغرور ولتبرير الكسل والخمول.

فنحن في وسطنا هذا الذي نعيش فيه ونصمم على تغييره من أساسه، نجد أن لهذا الوسط قوانين، وأن فيه قوى واقعية لا يمكن تجاهلها، وأن له أساليب.

فالعقيدة يجب أن تنزل إلى الأرض لكي تستطيع التأثير في هذا الوسط وهي لم توجد إلا للتأثير فيه.

فإذا نظرنا إلى العقيدة هذه النظرة؛ عندها لا يمكن أن نقبل بأن تبقى العقيدة في عالم من الغيوم والسحب، لا هي في السماء ولا هي في الأرض.

العقيدة وبالتالي العقائديون يجب أن تكون أقدامهم على الأرض، ولكن يجب أن تكون نفوسهم حرة طليقة وأن تكون عيونهم شاخصة إلى مثل أعلى.

لا يمكن أن تتغلب العقيدة وأن يتغلب العقائديون على فساد الأوضاع، على القوى الاجتماعية والسياسية المزينة – وهي قوى محسوسة في وسطنا – إلا إذا تجسدت في عمل واقعي.

لا تكتسب العقيدة مبررها الوحيد – وهي الحرية – إلا إذا استطاعت أن توازن وتعادل القوى الواقعية الفاسدة الراهنة، وأكثر من ذلك أن تتفوق عليها وتنتصر.

ولا يمكن أن ننتصر على القوى الفاسدة بالكلام، بترديد الشعارات، بالاستنكار، بالاحتجاج الخ… نتمكن من مجابهة القوى الفاسدة ومن التغلب عليها بالعمل الايجابي، بعمل واقعي على الأرض، وليس في سحب الألفاظ والأفكار الغائمة وترديد الشعارات.
الخلاصة أننا مطالبون الآن وفي المستقبل: الآن في هذه الحالة المؤقتة بأن نتحمل مسؤوليتنا الوطنية بجد أكثر، ليكون لمواقفنا العقائدية ولمناقشاتنا ومطالباتنا للحكومة وزن ومعنى، وليكون فيها نضج وخبرة؛ يجب أن نتحمل المسؤوليات بجد أكثر بأن نبادر إلى العمل؛ فاعلين لا منفعلين؛ محرِكين لا محرَكين، أن نقبل بدافع ذاتي وان نملأ كل الفراغ الموجود في الوطن، وهو فراغ كبير، عندها يكون لانتقادنا وزن وتأثير.

إذ ما الفائدة من الاعتراض والصراخ بان المبادئ لا تراعى ولا تحترم وان ثمة انحراف الخ… هذه أشياء قد تنجح في التخريب والبلبلة وإشاعة جو التشاؤم واليأس ولكنها لا تخيف منحرفا ولا تخيف أشخاصا ليست لهم عقيدتنا.

ولكن الذي يخيف والذي يرعب والذي يضع حدا لكل انحراف ولكل تهاون أو تفريط هو أن تكون القاعدة قائمة بواجباتها متسابقة إلى ملئ الفراغ متصلة بالشعب متفننة في خلق الأساليب التي تنمي النضال.

عندها يصبح جو الوطن جوا عقائديا صحيحا منتجا ويصبح الذين يخالفون مبادئ الوطن في وحشة وغربة وذعر، وعندها إما أن ينصاعوا أو أن يخرجوا.

فحمايتنا للمبادئ تكون بالعمل وبتحمل المسؤولية الآن وفي المستقبل .
يجب أن نعرف الحقيقة وهي أن خدمة مبادئ الوطن وقيمه ، هذه المبادئ العامة، تكون في تنفيذ العمل الخاص ولا أقصد بذلك عمل الأفراد لأنفسهم بل اقصد التنفيذ الجزئي.

إن مبادئ الوحدة والحرية والديموقراطية لا تتحقق بالتظاهر والهتاف، من قبل المئات والألوف لهذه الشعارات، وإنما تتحقق عندما يعمل العضو الفلاني في قريته مع خمسة آو عشرين من أهل القرية عملا منظما متواصلا يوصل إلى نتيجة، فيبدل فيهم التفكير والعاطفة وقوة النضال.
إني لواثق إن في نفوس هذا الشعب العظيم كل الإمكانيات وكل الاستعداد لتفهم هذه الدعوة إلى الجدية، اذ لا تغيير إلى الأرقى وضمان المكانة الرفيعة لوطننا إلا في مستوى من العمل جدي يصل إلى حد التضحية.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*