أي معارضة يقصد العثماني ؟ !

أي معارضة يقصد العثماني ؟ !

من العبث السياسي الذي تزايد حجمه خلال العقد الأخير، أن تصادق الحكومة مثلا على مشروع قانون، ثم يأتي التصويت عليه في البرلمان متناقضا بين مكوناتها، كما هو الحال بالنسبة لمشروع القانون رقم: 21.13 المتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي، أو ما يعرف لدى المغاربة بنبتة “الكيف”، الذي أبى حزب العدالة والتنمية الذي يقود الائتلاف الحكومي لولايتين متتاليتين، إلا أن يعاكس أحزاب الأغلبية ويصوت ضده في الجلسة التشريعية العامة المنعقدة يوم الأربعاء 26 ماي 2021 بمجلس النواب.

حيث صوت لفائدته 119 عضوا من فرق الأغلبية والمعارضة، بينما عارضه 48 نائبا من فريقه، ولم يمتنع أي عضو عن التصويت.
ومن العبث أيضا أن يزعم أمينه العام ورئيس الحكومة سعد الدين العثماني قبل أربعة أيام من ذلك باستعداد حزبه للعودة إلى “المعارضة”، في كلمة له أمام الكتاب المجاليين للحزب إبان الجلسة الافتتاحية للملتقى الوطني السادس الملتئمة يوم السبت 22 ماي 2021. وهو ما يمكن اعتباره إقرارا صريحا بفشل حزبه في تدبير الشأن العام طوال العشر سنوات التي قضاها على رأس الحكومة السابقة والحالية. وأنه لم يكن في مستوى تحمل المسؤولية، والوفاء بوعوده والتزاماته تجاه الجماهير الشعبية، التي راهنت عليه في كسب معركة الإصلاح والتغيير، تحسين ظروف العيش، تحقيق التنمية البشرية والعدالة الاجتماعية، والقطع مع مختلف أشكال الريع والفساد. وهو كذلك تهييء قواعده الحزب لما قد تفرزه صناديق الاقتراعات في انتخابات صيف 2021 من نتائج لن تسمح بالعودة لترؤس الحكومة مرة ثالثة، وتسيير عدد من الجماعات والمجالس الترابية.
إذ فضلا عما راكمه البيجيدي من خيبات واتخذه من قرارات مجحفة أضرت بمصالح البلاد والعباد، وقدمه من تنازلات يتعارض الكثير منها مع توجهاته، هناك عدة مؤشرات تؤكد فقدان شعبيته وانطفاء ضوء مصباحه، بعد قضى على آمال المغاربة، أجهض أحلامهم وأجهز على أهم المكتسبات الاجتماعية والحقوقية، التي ناضل من أجل تحقيقها شرفاء الوطن على مدى عقود من الزمن.

هذا دون أن نغفل الأزمة الداخلية التي يعيشها منذ إعفاء أمينه العام السابق من تشكيل حكومته الثانية، مرورا بالمصادقة على القانون الإطار رقم 17.51 عام 2019 في الشق المتعلق بتدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية، ووصولا إلى توقيع قائده على اتفاقية التطبيع مع إسرائيل في دجنبر 2020 وما إلى ذلك من خلافات… وإلا كيف يمكن تفسير اتصال ابن كيران هاتفيا مع بعض البرلمانيين المقربين منه، شاكرا لهم حسن الامتثال لدعوته السابقة برفض مشروع قانون تقنين القنب الهندي، الذي جاءت به حكومة خلفه ؟
فالبيجيدي الذي اعتاد قياديوه على تبادل الأدوار فيما بينهم للتضليل، والاختباء خلف ستار المظلومية ونظرية المؤامرة، طالما عودنا على الهروب إلى الأمام كلما وجد نفسه محشورا في الزاوية، لعدم امتلاكه الشجاعة الأدبية للاعتراف بهفواته وفشله في التدبير.

وأن معظم أعضائه بمن فيهم كبيرهم الذي كان يفترض أن يسارع إلى طلب الإعفاء الملكي وفق مقتضيات الفصل 47 عوض الاستمرار في تلقي الصفعات من كل الجهات ويهزه الحنين إلى خطاب المعارضة، مازالوا يحلمون بالفوز في الاستحقاقات الانتخابية القادمة، رغم ما يحاولون إظهاره من زهد في المناصب والمكاسب، مراهنين في تحقيق ذلك على ما يعتبرونه قوة الحزب التنظيمية، غياب منافسين حقيقيين في مستوى قوته، وخاصة الكتلة الناخبة المرتبطة بالحزب عقائديا ليس إلا.
إن ادعاء العثماني بأن رجوعهم للمعارضة لن يؤثر كثيرا على مسار حزبهم أو يؤدي إلى خسارتهم، ماداموا لا يملكون مزارع ولا محطات بنزين ولا رخص صيد، في هجوم جبان ولا أخلاقي على حلفائه، ليس سوى محاولة بئيسة للفت الأنظار عن حقائق الأمور.

فالمطلوب منه هو تقديم حصيلة حكومته في الكثير من الملفات، سواء منها الملفات ذات الطابع الاقتصادي الصرف أو ذات البعد الاجتماعي، التي سطرتها في برنامجها الحكومي ونالت على إثرها ثقة البرلمان.

وتوضيح كيفية تعاطي حزبه مع الحكومة القادمة من موقعه في المعارضة، في ما يرتبط بشكل خاص بالمشاريع والقوانين التي ظلت معلقة، كالسجل الاجتماعي، نظام “التعاقد” في الوظيفة العمومية، الإصلاح الشمولي لأنظمة التقاعد المهددة بالإفلاس، مشروع القانون المنظم للإضراب ومشروع القانون التنظيمي للنقابات…
ثم كيف لمن أخفق في تدبير الشأن العام وخلق أجواء التقارب والانسجام بين مكونات الائتلاف الحكومي الذي يقوده، أن يكون ناجحا في ممارسة المعارضة الهادفة؟ فأي معارضة يقصد العثماني: معارضة “الغرغرة”، أم تلك التي ظل يزاولها داخل الحكومة والبرلمان وفي اللقاءات الحزبية أيام عطل نهاية الأسبوع؟ وهل سيكون بمقدور من ساهم في تأزيم الأوضاع، طرح الإشكالات الاجتماعية الكبرى وتبني القضايا الشعبية، التحاور مع الحركات الاحتجاجية والترافع عن مطالبها الملحة أمام الحكومة ؟
إن بلادنا باتت اليوم أكثر حاجة إلى أحزاب سياسية قوية ومؤثرة في الأغلبية كما في المعارضة، وإلى فاعلين سياسيين من ذوي الكفاءة وروح المواطنة القادرين على ربط القول بالفعل.

وليس إلى أحزاب ضعيفة ونخب انتهازية تجعل من العمل السياسي حلبة للصراعات السياسوية أو أداة لتحقيق أهدافها الشخصية والحزبية الضيقة، بدل التنافس من أجل المصلحة العليا للوطن والدفاع عن أهم قضايا المواطنين وانشغالاتهم.

إذ ما جدوى وجود أحزاب معطوبة عاجزة عن ابتكار حلول للمشاكل المتفاقمة وبلورة نموذج تنموي فعال، يساهم في بناء مغرب حداثي وديموقراطي يتسع لكل أبنائه، وخال من كل مظاهر الظلم والبؤس والفقر والأمية والبطالة والتهميش والفساد…
اسماعيل الحلوتي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*