عبد المجيد الفرجي يكتب: خالد الجامعي أيقونة شبيبية.. فضل النزاهة بدل الموضوعية في الصحافة

عبد المجيد الفرجي

حينما يرحل شخص عزيز، غالبا ما يَشخص أمامك في شريط لأبرز الأحداث معه أو عاصرتها رفقته، كما هو حال الإعلامي والسياسية البارز السي خالد الجامعي، الذي رحل عنا اليوم.

كان لي شرف معايشة هذا العلم المغربي، حزبيا وهو يمثل بالنسبة لي، رمزا لعلامة “لا”، “الثورة” / المعارضة داخل نفس البيت، حزب الإستقلال، نفس النظرة نحو الرجل، كان يتقاسمها عدد من الشباب الحزبي الإستقلالي، خاصة ذوي النزعة اليسارية داخل هذا التنظيم المحافظ (وبشكل أبرز نشطاء من الحركة الأمازيغية)، أواخر التسعينات، وهو الذي كان مسؤولا على قطاع الشباب والطفولة في اللجنة التنفيذية للحزب حينها، وقد كان مساهما في تأسيس فعل الجامعة الصيفية/ الفكرية والسياسية للشبيبة الحزبية، ثم مشرفا رفقة القيادية الإستقلالية نعيمة خلدون على المؤتمر الثامن للشبيبة الإستقلالية في بوزنيقة، نهاية سنة 1998.

كان لي شرف اللقاء بالسي خالد بشكل يومي، في مقر جريدتي العلم ولوبينيون، لسان حال حزب الإستقلال، في مقر طريق الدار البيضاء سابقا، وهو في آخر أيامه قبل إحالته على “المعاش” (إداريا) سنة 2004. كان حينها في أوج خلافه مع قيادة الحزب بسبب مواقفه السياسية.. كنت أراه منتفضا بطريقة لباسه، نظراته، ابتسامته وحديثه “العروبي”، الذي كنت أجده يشبه طريقة نجيب السالمي/ سعيد حجاج رئيس القسم الرياضي لجريدة لوبينيون الفرنسية.. لا أعرف لماذا..؟

دعمني السي خالد في تجربتي المتواضعة حينما كنت أصدر صحيفة العاصمة الجهوية، من مالي الخاص، موازاة مع اشتغالي في جريدة العلم، بترخيص من مديرها الصحفي والأديب السي عبد الجبار السحيمي، بداية الألفية الثانية.. كان دعمه الكبير حينما تجده يثق فيك ويمنحك حوارا وأنت شاب نكرة في حقل إعلامي يتربع على عرشه كبار الأدباء ورجال الفكر من المدرسة اليسارية/ الإتحادية والإستقلالية.

غير أن أكثر ما أتذكر في علاقتي بالسي خالد وهو درس مختصر وكبير من الرجل، ومازلت أردده في المجالس والمنتديات المهنية، أن أقنعني ذات يوم سنة 2008 وصحح لي مصطلحين متداولين في قبيلة الصحافة، يتعلق الأمر بمفهومي الموضوعية والذاتية في المادة الصحفية. ثنائية جدلية كثيرا ما كانت موضع نقاش.

كنت بصدد إعداد تحقيق عن رجل دولة، شخصية سياسية عمومية مشهورة جدا، في قالب بورتريه في إحدى المنشورات الصحفية الأسبوعية، الذائعة الصيت حينها، والمتشنحة في علاقتها مع “المخزن”/ الدولة، فطلبت من السي خالد شهادة في حق الشخصية موضوع التحقيق، والتي كان يعرفها جيدا.

طلبت منه الحديث بكل موضوعية، فقاطعني، متحدثا بتواضع، دون استعلاء ولا أستاذية، قائلا بلغة “عروبية”/ بدوية (بتصرف) : ليس هناك شيئ إسمه موضوعية، وكل ما يلقنونه لكم في معاهد الصحافة حول هذا الأمر فهو مغلوط. الذاتية دائما حاضرة، سواء بشكل واعي أم لا، فلا يمكنني الحديث عن شخص أو قضية بمعزل عن تجربتي الذاتية، رصيدي الفكري وحالتي النفسية اتجاه هذا الشخص..

وزاد مسترسلا: لكن يمكنني أن قترح عليك مصطلاحا آخر يعوض الموضوعية وهو الأنسب في تقديري، أي: النزاهة. سأحاول الحديث بصدق عن هذا السيد الذي تعد تحقيقا بشأنه بما له من إيجابيات وسلبيات معا.. دون زيادة ولا نقصان وأنت تصرف كذلك بنزاهة في طرح المعطيات التي سأمدك بها…

كان السي خالد معلما والحق يقال أني لم أكن “نزيها” في كتابة التحقيق/ البورتريه، حصل الأمر بدون سوء نية وبشكل غير مقصود، فقد كان همي أن أظهر نفسي موضوعيا في معالجتي للمادة الصحفية، مسلطا الضوء على سلبيات شخصية التحقيق، وأن أعمل على إبراء ذمتي من معرفتي بها وصداقتي بمحيطها أمام مدير النشر وهيئة التحرير، فلم أوفق، لأني لم أكن أمتلك مسافة محترمة من تلك الشخصية العمومية، فظلمتها من حيث لا أدري في التركيز فقط على سلبياتها (وإن كانت كلها المعطيات التي أوردتها صحيحة) من حيث لا أدري.. دون الإهتمام بماهو إيجابي أيضا، فغابت عني النزاهة حينها.. (قد يقول قائل أن الصحافة ليست مهمتها إبراز الإيجابيات، لكن أيضا ليست من مهمتها حجبها )

وهكذا أتذكر جيدا هذا الدرس المهني الذي لن أنساه في حياتي، بل أصبحت كلما سمعت كلمة موضوعية أحاول أن أصوبها مع مخاطبي بنظيرتها النزاهة، كما تبنيتها مقتنعا من السي خالد..

اليوم تودعنا السي خالد الجامعي، رحمة الله عليك. شكرا لك على كل ما قدمته للمغرب وشبابه سياسيا وإعلامية. لم تبخل قط في الرد وتقديم المشورة والمساعدة في فهم كثير من التاريخ السياسي المعاصر والآني كلما طرقت بابك.

كانت أمنيتي أن ألتقيك من جديد في أول زيارة تتاح لي بالمغرب لأنني بصدق توحشت نزور بيتك في ديور الجامع بالرباط، الذي كان مثل الزاوية، لا ترد طالب معرفة أو أصدقاءك من أبناء الشبيبة، اشتقت لنصائحك وكلامك الخاتر الحكيم، في محراب الصحافة، لأستمتع باستنتاجاتك وقراءاتك للأحداث بنزاهة..

عبد المجيد الفرجي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*