سوق البشرية: اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا

سوق البشرية: اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا.

 

بقلم الدكتور سدي علي ماءالعينين ،اكادير، يونيو ،2025.

إخبار : سيكون ما تبقى من شهر يونيو ، شهرا بلا ولوج لفضاءات التواصل الاجتماعي كتدريب على مقاومة الاستيلاب. التقيكم في مطلع الشهر المقبل .

من العبث أن أقنع إبني أن قراءة كتاب أهم من متابعة فيديوهات قصيرة على شبكة التواصل الاجتماعي ،

و من الحماقة ان اشتري له يومية واطلب منه أن يجعلها دفتر ذكريات و يطلب من الاصدقاء في المدرسة كتابة أبيات شعرية و إلصاق صور لفنانين ، 

وسيكون من التخلف ان اقنع إبني أن اللغة الفرنسية أهم من الإنجليزية لأن البلاد كلها مفرنسة…

زمن “الهبيزم ” في السبعينات و الثمانينات، كان من التخلف والعبث و الحمق ان تقول لنساء المدن ان لباسهن للتنورة القصيرة يعد عريا او خلاعة او تبرجا ،

وفي التسعينات تكاد المرأة التي لا تضع غطاء الرأس في نظر الناس فتاة غير محترمة ، والرجل الذي لا يطلق لحيته ، خارجا عن السنة النبوية الشريفة .

بعد قرن على وفاة قاسم أمين الذي اراد أن يحرر المرأة ، أصبح دعاة اللباس الافغاني للنساء و جلابيب الرجال فوق الكعب هو المعنى الحقيقي لتحرير المسلم من براثين الغرب الكافر و الحضارة الفاسقة .

بعد كل هذه السنوات وتعاقب الأجيال ، أصبحنا اليوم في ما اسميه تجاوزا “سوق الحضارة و متحف التاريخ “.

في هذا السوق لا وجود لعادات بالية و لا لسلوكات فانية ، ميزة هذا السوق انه تعرض فيه كل تراكمات الأجيال ، فتشكل فسيفساء من العادات والتقاليد و ما يرتبط بها من لباس و تكنولوجيا … 

نحن في سوق البشرية ، اللوحة الالكترونية لم تلغي الكتاب ،و النقاب و الحجاب لم يلغي التنورة و تسريحات الشعر . كما لم تلغي فضاءات التواصل الاجتماعي الجريدة و المجلة و سبورة الاعلانات…

أما الإنسان الذي أبدع عبر أجيال متعافبة كل هذه العوالم و عاشها ، يضع نفسه في ميزان التفاعل و التعايش ، بين من يرى في العمر سباقا للقفز على الحواجز يتطلب منك التأقلم مع كل مرحلة إلى أن تصل الى خط الوصول محمولا في نعش لتردم تحت الأرض و الجميع يبدع في إغلاق كل جنبات القبر مخافة أن يتسلل اليك الضوء او ان يكون لك اتصال مع اي كائن ولو كان حشرة …

ومن لا يعيش زمانه و يشده الحنين الى الماضي سيعيش كحالة شاذة ،نشاز، عبث و حماقة و تخلف ….

ومن يريد ان يعتبر نفسه رسولا الى الجيل الجديد يدعوهم إلى اعتناق افكار جيله السالف ،وكأنه دونكيشوط زمانه…

فهل الدين جزء من هذا التدافع ؟

في عقيدة الاسلام ، هناك كتاب اجمع المسلمون على أنه لا يلحقه تحريف ، كما اجمعوا على أن احاديث الرسول صلى الله عليه وسلم لحقها التحريف . 

والإسلام يقول لنا بتدبر القرآن الكريم ، وإتباع رسوله الكريم ، لكن التاريخ الاسلامي يقول لك لا حق لك في فهم القرآن بتدبره خارج مجلدات التفسير التي أبدع فيها الأوائل حسب ما توفر لديهم من معرفة ، كما لا تعطاك فرصة إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث هو قدوة خارج كتاب صحيح البخاري ،وما دونه باطل او ضعيف .

في هذا الزمان لا تبحث عن دور البطولة ، يكفي ان تترك بصمتك وترحل ، تأكد أن الكون اكبر من ان تغيره بفكرة او موقف او دين ، لكنك مؤكد ستساهم في تغييره بإختراع ينفع البشرية ،و بعمل يحسب لك في الدنيا و يكون شاهدا عليك في الآخرة .

و الله اودع فيك روحا لتصنها ،و زرع فيك نفسا لتحاربها كلما زاغت بك عن طريق خلاصك ، والله خلقك على هيئة بدن يوجهه نظام معقد من الاعضاء و الخلايا و الأنسجة ، ويدعوك ان تحافظ عليه حتى توارى التراب لتكون مأدبة طيبة لدود القبر .

عش لنفسك و تفاعل مع الكون و الطبيعة ، و كلما خف تفاعلك مع ما ينتجه الإنسان و إنغمست في ملكوت ما أبدعه الرحمان ستدرك انك حي تعيش زمنك و تتفاعل فيه مع الكائنات و الأزمنة و الأجيال …

إن ” الدوش” يطلق الماء لكنه لن يكون قط شلالا ،كما أن حلاوة ثمرة تقطف باليد من شجرة و تمسح و تأكل لا يمكن ان تشعرك بنفس الانشراح وانت تختارها بين فواكه معروضة عند بائع الخضر .

لا تطلب مني ان أكون طبق الاصل لصورة السلف في ذهنك وعقليتك ، ولا تطلب مني ان أهجر زمني الى عزلة وحنين الى الماضي .

ولا تطلب من احد أن يكون احدا آخر غير نفسه ، و تعلم ان تأخد من الناس ما نتج عنهم من خير في السلوك و التدبير ،ولا تكن كالاعمى الذي يحارب ظلمته بعكاز غيره.

نحن في سوق البشرية ، لتبيع منتوجك عليك أن تتجنب التقليد ، و إذا اردت ان تشتري فتأكد من ان المنتوج أصيل .

وبين التقليد و الأصالة يكتب الإنسان تاريخه الذي يجب ان لا يشبه تاريخ احد .، فيوم الحشر الكبير سيقال لك قوله تعالى في كتابه الحكيم : اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا.

فهل تعتبرون ؟

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*