فنجان بدون سكر
“جيل للبيع!”
بقلم: عبدالهادي بريويك
في ظل تحركات حكومية وُصفت بـ”المريبة”، تتجه الدولة بخطى صامتة نحو تفويت تدبير عدد من فضاءات الطفولة والشباب، التي شكّلت لعقود متنفساً اجتماعياً وروحياً للفئات الشعبية، وخصوصاً للفئات الناشئة.
إنها خطوة لا تبدو عابرة، بل تمس العمق الأخلاقي لفكرة الدولة الحاضنة، وتضرب في الصميم حقاً ناعماً، لكنه جوهري: الحق في التأطير، والتكوين، والانتماء.
ليست هذه المرافق مجرد مبانٍ، بل كانت محاضن للوعي، ومراسي للحلم، ومنصات لصياغة الذات. كانت مرافئَ آمنة لأجيال تبحث عن مكان تصنع فيه ذاتها، بعيدًا عن ضجيج الإقصاء وشظف التهميش.
واليوم؟ تُغلق أبوابها في وجه الأطفال واليافعين والشباب، وتُفتح فقط لمن يستطيع الدفع… وكأننا نُقصي من لا يملك، لا من لا يستحق.
من التنشئة إلى التجارة
الأمر لم يعد مجرد تحول في طرق التدبير، بل في الفلسفة ذاتها. من رعاية الجيل القادم كخيار استراتيجي، إلى تسليعه وخنقه تحت منطق السوق.
إنه تخلي مقلق، صامت لكنه صادم، عن دور جوهري كانت تؤديه الدولة، بشراكة مع جمعيات ومنظمات آمنت دومًا أن الإنسان هو الرأسمال الحقيقي لأي نهضة. وصمام الأمان الدائم للمجتمع وللاستقرار.
الفاعلون الجمعويون لا يصمتون
من قلب الميدان، ترتفع الأصوات: إن ما يحدث ليس تحسينًا ولا تحديثًا، بل تفويتٌ لمسؤولية تاريخية، وهروبٌ من التزام اجتماعي.
إنها ليست “شراكات استثمارية”، بل انسحاب من دور تأطيري وتربوي لا يقبل المقاولة ولا يقايض بالقيمة السوقية.
من يُقصى؟ ومن يُحتضن؟
النتيجة قد تكون فادحة: الآلاف من الأطفال والشباب، خاصة في القرى والمناطق الهشة، سيفقدون آخر فضاء يمنحهم شعورًا بالانتماء.
ليست مجرد مرافق، بل هي بيئات تصنع الشخصية، وتزرع القيم، وتمنح فرصة ثانية للحلم، في وطن تزداد فيه الفجوة بين من يملك ومن ينتظر.
سؤال مفتوح بمرارة:
هل هناك ما هو أخطر من بيع المساحات التي تكوِّن الإنسان؟ هل هناك خسارة أقسى من أن تتحول فضاءات الشباب ومراكز الاستقبال إلى سلع تُدار بمنطق الربح؟
نحن لا نبكي على إسمنتٍ وحديد، بل على معنى… على جيل بأكمله يُدفع تدريجيًا خارج المجال العمومي.

