الحد الفاصل بين الوعي و السعي …

الحد الفاصل بين الوعي و السعي …

بقلم سدي علي ماءالعينين ،اكادير فاتح يوليوز 2025.

 

في فجر اليوم صليت ركعتين شكرا لله عشية إنتهاء أشغال المؤتمر الإقليمي السابع للحزب ، شكرت الله على نعمة الإختيار بين التوقف و الإستمرار بجهاز الكتابة الإقليمية،

بعد ثلاثة و عشرين سنة شغلت فيها منصب نائب الكاتب الإقليمي في اكثر من نصفها .

ومارست فيها مهمتي التي أنتخبت لها في الولاية الأولى . فيما باقي السنوات عرف الحزب تطورات و تغييرات اصبح فيها منصب النائب الاول للكاتب الإقليمي للحزب شكليا في ظل نمط التدبير الذي كانت تستوجبه المرحلة.

في 2002 تحملت المسؤولية من داخل الجهاز الإقليمي. يوم تحملنا المسؤولية كان تنظيمنا مكونا من إثنى عشر فرعا في مجموع الأقاليم الثلاث التي كانت تشرف عليها الكتابة الإقليمية ،اكادير اداوتنان و إنزكان أيت ملول و شتوكة ايت باها ،

عشنا الصحوة الحزبية و ساهمنا في تدبيرها تنظيميا لننهي الولاية الأولى بحصاد سبعة و عشرين فرعا مكنتنا في المؤتمر الوطني السابع ان نحتل المرتبة الاولى في عدد المؤتمرين وطنيا. ونتائج جد جيدة في مختلف الجماعات.

عشنا محطات الإنتصار كما عشنا مرارة الإنكسار ، غضبت مرات و اسكتت غضبي بإستقالة تكررت مرات، ولم تكن سوى صرخة ضد الإنحدار الذي يبدو أنه كان يسير بالسرعة القصوى . 

ورويدا رويدا بدأت الأجهزة تفقد دورتها التنظيمية ،ومعها اصيبت الجهة بالعدوى التي اصابت اقاليم كثيرة بالمغرب بإغلاق المقرات و تراجع القواعد عن اداء ادوارها ثارة بسبب مواقف من القيادة حتى قبل مجيئ القيادة الحالية و ثارة بسبب مواقف محلية تحولت الى إنسحابات جماعية و تراجعات تنظيمية.

قبل إنعقاد هذا المؤتمر كانت أصوات من بعض الفروع و بعض القطاعات تلمح ثارة و تؤكد ثارة علي بضرورة الإرتقاء أخيرا الى منصب الكاتب الإقليمي بعد ان كنت رجل الظل للكتاب المتعاقبين. اربع قرن .

 لكن تقديري للمرحلة و لرهانات المؤتمر الوطني في اكتوبر جعلتني اقتنع بكل نزاهة فكرية انني لا املك مشروعا يمكن ان اطرحه لترشحي لأية مهام تنظيمية، يقينا مني ان السياق مختلف و ان حتى الإهتمامات و الالتزامات الشخصية تجعل مجرد التفكير في حمل وزر المسؤولية امر سيبدو وكأنه هرولة نحو طموح شخصي بلا بوصلة للبناء و التواصل .

لقد عشت سنواتي الأخيرة في غربة ،وقد عاينت رحيل و انسحاب من كانوا معي في مراحل مختلفة ليس فقط على مدى ثلاثة و عشرين سنة من عمري بالكتابة الإقليمية ولكن ايضا ممن كانوا معي وكنت معهم على مدى ستة و ثلاثين سنة من عمري داخل الإتحاد الاشتراكي وخاصة الشبيبة الإتحادية.

في هذه المحطة كان الامر مختلفا ، حضرت إجتماع الإتحاديين لإعطاء إنطلاقة التحضير ، سعدت بالوجوه التي حضرت و ادركت بفطرتي الإتحادية حجم الطموحات الشخصية في السباق لعضوية جهاز إقليمي ظل في العشر سنوات الماضية سجين حسابات المدينة على حساب العمق القروي بجبال إداوتنان.

وادركت ان فهمي و تصوري للتنظيم كما تعلمته في الإتحاد لا يمكن ان ينسجم مع بعد التمظهرات التي تطفو الى السطح في ممارسة بعض الأخوات و الإخوة للعمل التنظيمي. بنفس القدر الذي فشلت كل المساعي الشخصية لإقناع كثير من رفاقي ممن تراجعوا ان يراجعوا موقفهم و يعودوا للفعل التنظيمي بمعزل عن مواقفهم من القيادة الحزبية مثلا ، إعتبارا ان الدورة التنظيمية تشتغل وتظمن الإستمرارية او حق البقاء …

لا يمكن لمن مثلي ممن لازالوا ينظرون بقدسية للنظام الأساسي للحزب ويضعونه في مرتبة التعاقد ان يقبلوا بتسويات خارج هذا التعاقد ليس فقط بخرقه ولكن بالأساس بتعديله في كل محطة ليس ليساير الحزب في الواجهات ولكن ليضمن للبعض البقاء في الواجهات.

بالنسبة لحزب تركه مناضلوه كل و اسبابه ،ورحل عنه آخرون يطاردون حلمهم في تنظيمات اخرى ، و بعد الحسرة التي تمتلكنا في كل محطة فاتح ماي و نحن نعاين النقابة وقد تحولت الى نقابات ، و الرحيل التدريجي لرؤساء الجماعات نحو التيار الجديد الجارف الذي يستقطب و يدمج و يحتضن.

لم يكن من الممكن للحزب ان يستمر بطرقه الكلاسيكية والا سيتحول تدريجيا الى حزب بيانات و شعارات بعيدا عن الذهنية التي تسيطر على المجتمع.

فكان طبيعيا ان يحدث التحول من حولنا دون ان يحدث فينا ،وهذا ما زاد من غربتنا وسط تنظيماتنا.

لذلك فانا اجد ألف مبرر لما يحدث ،وإن كنت لا اجد لنفسي مبررا ان انخرط فيه ، كما ادعم بقوة هذه القطيعة بين التاريخ ورجالاته وقيمهم و تضحياتهم و بين ما تتطلبه مرحلة اليوم من حسابات و تكتيكات و إتقان اللعبة وفق الذهنية المجتمعية الطاغية ، تلك التي فقدت بوصلة قرارها فإرتمت لزمن في حضن الإسلاميين لتنقلب على نفسها مائة درجة و ترتمي في احضان الليبراليين.

لا يمكنك ان تجد لك مكانا وسط هذا النمط إذا لم تساير و تعايش بدل تبني الطوباوية التي تحولك الى حزب صغير .و لو بإعتماد مكيافلية تجعل الغاية تبرر الوسيلة.

بهذا المنطق و هذا التحليل تكونت لدي قناعة أن حضوري هو بمعنا من المعاني يمكن ان يكون مظهرا من مظاهر الأزمة التنظيمية ، وهذا ما لا ارتضيه لنفسي بعد هذا المسار.

لا يمكنني ان اتسابق او اعمل مع وجوه جديدة لا اعرف نمط تفكيرها ولا القيم التي تتشبع بها و جاءت بها الى الإتحاد ، كما لا يمكنني ان انافس وجوها كبرت و كبر طموحها لتنافس على كل شيئ أحيانا لمجرد المنافسة و التباهي بالصفات…

هناك مشاريع و تصورات كتاب أولين تلت استقالة اليوسفي رحمة الله عليه ، وكلها كانت تعمل وفق تصورات متباينة ،حتى جاءت محطة الاخ إدريس لشكر و التي امتدت لثلاث ولايات مع استشراف واضح للرابعة ، 

وما يجعلك تقضي ثلاثة و عشرين سنة في جهاز يجعلك تجد مبررا لمن يتطلع لولاية رابعة ،ولو بمنطق ان هذا السلوك بالنسبة لك و له ـ مع تفاوت في المستويات لا تستوي معه حتى المقارنة ـ يبقى في المحصلة تعبير عن أزمة. 

إقليميا قد يبدو الامر مختلفا لكنه بمنطق الهرمية الحزبية ،سيكون من العبث تكرار مبادرات فتح مواجهات مع المركز على حساب استقرار ماهو محلي ، و بمعنى ادق فإن من مصلحة الحزب ان تكون القيادة الإقليمية منسجمة مع القيادة الوطنية وعندها الرغبة النفسية لتخوض تجربة ولاية رابعة . او تلعب دور “الخماس” كما قيل في مرحلة .

لذلك قلت ان كل دعمي لكل متحمس لمواصلة المسار مع تفهم صادق لفلسفة الزمن الحزبي الحالي و تقاطعاته في الممارسة و المواقف. 

وسابقى إتحاديا خريج مدرسة الشبيبة الإتحادية و اعتز بكل من اشتغلت معهم او إختلفت تنظيميا معهم ،واجد ألف مبرر لمن حولونا في محطات الى مجرد كومبارس ، و لا احمل في نفسي اتجاههم أي موقف كيفما كان.

تلك قناعاتي و تلك كلمتي الأخيرة ، 

دعواتي لكم بالتوفيق والنجاح 

والسلام عليكم ورحمه الله تعالى وبركاته.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*