طوطو والوحش

طوطو والوحش. 

كتبها: احمد الدافري 

حركية العيش فوق كوكب الأرض تفرض عليك أن تأخذ من الآخر وتعطي للآخر. 

 

وعندما لا يكون لديك ما تعطي، فلا تتأفف ولا تشتكي مما يأتيك من الآخر الذي لا يتوقف ذهنه عن التفكير، كي يحتل حياتك بما يخترع وما يصنع. 

 

الآخر اخترع الأجهزة والأسلحة والتكنولوجيا، فوجدت نفسك مجبرا على أن تأخذها منه، وتستعملها لضرورات الحياة.

 

 الآخر فرض عليك أن تتحول إلى زبون في سوق يروج فيه سلعه وبضاعته، فأصبحت مستهلكا وفيا لما ينتج، واعتبرت الأمر عاديا بل أضحيت تتباهى بما تقتنيه منه، فتخليت عن الملابس التي كان يرتديها أجدادك والتي كانت النساء يقمن بحياكة صوفها وكان الرجال ينسجون أثوابها داخل محلات الدرازة، وأصبحت ترتدي البدلات والقمصان وأربطة العنق في الحفلات والمناسبات، وتضع فوق جسمك التيشورتات الملونة، وتنتعل في أقدامك الأحذية الطاليانية، وعندما تستيقظ في الصباح تشرب قهوتك البرازيلية في صالون ذي أثاث أوروبي، وتطلب فطورا هولنديا، أو طوسطادة إسبانية بالكونفيتور ، قبل أن تركب سيارتك الفرنسية، وتتوجه نحو عملك وتجلس قبالة الكومبيوتر الأمريكي الذي لم يعد ممكنا لك الاستغناء عنه في عملك. 

وعندما تفتح هاتفك كي تطلع على الرسائل التي وصلتك عن طريق شبكة الأنترنت التي اخترعها الغرب، ووفرت لك أجهزتها في السوق شركات صينية وألمانية وكورية وأمريكية، تقودك أصابعك نحو صفحتك في فيسبوك أو في إنستاغرام التي صنعها وصممها لك الأمريكيون وصدروها لك، والتي فرحت يوم أنشأتها واقتنعت أنها أداة ضرورية من شأنها أن تجعل منك كائنا بشريا مواكبا للعصر، وحين تدخل صفحتك، وتصادف مغني الراب طوطو يقول أمورا ما فوق الخشبة، ويرتدي لباسا ما فوق المنصة، ويومئ بحركات ما أمام الجمهور، ينتابك الغضب وتقول لا لا لا، هذه أمور ليست منا، وليست لنا، ولا تعكس ثقافتنا، وكأن كل ما نقوم به، وكل ما نفعله، وكل ما يصدر منا في حياتنا اليومية، هو من صلب ثقافتنا، ومن عمق تاريخنا، ومن مكونات هويتنا، ومن طبائع حضارتنا. 

 

الأمر معقد، ولا يمكن اختزاله في مجرد كلمات سخط نلقي بها في اتجاه ظاهرة تغزو المجتمع ويحتضنها الشباب.

 

الأمر يفوق مسألة توجيه الشتائم وإلقاء عبارات السباب نحو من يمارس شيئا لا يعجبنا ولا نستسيغه ولا يتوافق مع أذواقنا التي تربينا عليها.  

 

الأمر يدخل ضمن طاحونة تطحن الحياة، وتعيد صوغ المظاهر الجماعية وفق نموذج يتلاءم مع ما ينبغي أن يكون عليه العالم، الذي يقوم على منطق واحد لا غير، هو منطق القوة، والقوة هي أن يكون لديك عقل وفكر وسلطة وأسلحة، تغزو بها الذوق والسلوك ونمط العيش، أما المُثل العليا الأفلاطونية، والأحكام الأخلاقية الطوباوية، فهي قد تركوها لنا، كي نجتر بها إخفاقاتنا في مواجهة زحف الرأسمالية المتوحشة.  

وهذا ما كان.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*