*حين تتحوّل الثورة إلى أداة تطهير: الجولاني وبنية الهتلرية الشرقية الجديدة*
*فيصل مرجاني*
في اللحظة التي يترنّح فيها مفهوم الدولة الحديثة في الشرق الاوسط، وتحديدًا في الجغرافيا السورية المتآكلة، تتكثّف المعضلات البنيوية التي تعرقل أي انبثاق ممكن للعدالة الانتقالية باعتبارها جسرًا حضاريًا بين ذاكرة الجريمة الجماعية وأفق التعايش الجامع.
وإذا كانت العدالة الانتقالية، تقوم على مبدأ استعادة العلاقة المتصدعة بين الدولة والمجتمع عبر تفكيك منظومة العنف وتفويض مشروع مشترك للكرامة والإنصاف والمواطنة، فإن الحالة السورية المعاصرة تمثل حالة نقيضة لهذا المسار، حيث يتم اجتثاث فكرة العدالة من جذورها، لا عبر إنكارها فقط، بل عبر إنشاء ما يمكن تسميته بنظام نقيض للعدالة، يُؤسس لهيمنة طائفية متعالية ولعنف منظَّم يُمارس باسم الاستقرار والأمن.
إن ما تشهده سوريا اليوم، لا سيما في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام المركزي، لم يعد مجرد فوضى أمنية أو صراع سلطوي بين أطراف متعددة، بل أضحى سيرورة جديدة من إنتاج الحكم الاستئصالي المغلّف بخطاب ديني، كما يتمظهر بشكل فجّ في ظاهرة هيئة تحرير الشام، التي تُعيد تشكيل المجال السياسي والاجتماعي في سوريا وفق نموذج ما بعد دولتي يتّخذ من الزعامة الدينية بديلاً عن السيادة الشرعية، ومن العقيدة الإقصائية بديلاً عن العقد الاجتماعي.
ضمن هذا الجانب، لا يبرز اسم الجولاني، كفاعل عسكري أو قائد ميليشيوي فحسب، بل كرمز لتحوّل بنيوي في مفهوم الحكم، حيث يتم تقديم سلطة الأمر الواقع بوصفها بديلًا قابلًا للتطبيع السياسي الإقليمي.
غير أن هذا التحوّل ليس بريئًا ولا عابرًا، بل يعكس خللًا عميقًا في المنظومة الأخلاقية والسياسية التي تُنظّم السلوك الدولي تجاه الملف السوري، إذ كيف يمكن الحديث عن تسوية أو استقرار بينما تُمنح سلطة الأمر الواقع لجماعة تتبنى، سواء بصيغة صريحة أو ضمنية، خطابًا إيديولوجيًا يستبطن أطروحات الإبادة الرمزية والمادية تجاه الأقليات، كما يظهر في الخطابات والممارسات الموجهة ضد الدروز والأكراد والمسيحيين؟ كيف يمكن لمجتمع دولي يدّعي الالتزام بالشرعية الدولية وحماية المدنيين أن يصمت أمام توثيقات مرئية ومؤرشفة لعمليات قتل وحرق وتطهير عقائدي تمارسها عناصر تابعة للجولاني، دون مساءلة أو إدانة؟
إننا هنا، نجد بأن هذا التشابه البنيوي بين سردية الرايخ الثالث وصعود الجولاني يتمظهر أولًا في السعي إلى تحويل الانتماء الطائفي أو العرقي إلى معيار للمواطنة، ثم في محاولة تطبيع هذا الانزلاق القيمي من خلال خطاب سياسي “مؤسّس” يدّعي الحرص على الاستقرار والتماسك المجتمعي.
فقد كان هتلر في بداياته رجلًا يطرح مشروع وحدة ألمانية يتجاوز اتفاقية ڤرساي، ويُبشر بعودة الكرامة الألمانية، قبل أن يُحوّل تلك الوحدة إلى تطهير عرقي منهجي داخل مؤسسات الدولة نفسها. واليوم، يُعيد الجولاني تشغيل هذا النموذج داخل بنيات سلطته في إدلب، ليس فقط عبر السلاح، بل من خلال إدارة بيروقراطية منظّمة، وإعلام مركزي، وسلطة أمنية تُمارس الاضطهاد العلني والممنهج تجاه الأكراد والدروز، في إطار سياسة لا يمكن تفسيرها إلا من خلال العقلية الإقصائية التي تؤسس لعقيدة “نحن” و”هم”، ليس انطلاقًا من مشروع سياسي، بل من منطق إبستيمولوجي يختزل المجتمع في الطائفة، والآخر في التهديد، والمختلف في العدو الوجودي.
لقد أصبح الجولاني اليوم لا يقتل بعشوائية، بل يقيس النبض الإقليمي والدولي بدقة حسابية. يراقب، يختبر، ويستفز، في محاولة منه لتحديد مدى قابلية القوى الفاعلة في المنطقة لتقبّل مشروعه بوصفه أمرًا واقعًا لا رجعة فيه. وعلى هذا المنوال، نرى بأن تصاعد خطاب العنف ضد الأكراد ليس اعتباطيًا، بل يُعد استقراءً استراتيجيًا لمساحة الحركة التي تسمح بها المملكة العربية السعودية، الراعية الصامتة لمشروع إعادة إدماج هذا الفاعل داخل المعادلة الإقليمية، تحت ذريعة إخراج سوريا من القبضة التركية والإيرانية. بيد أن هذا الخيار، رغم ما يبدو عليه من براغماتية جيوسياسية، يعيدنا عمليًا إلى منطق الطائفية المؤسساتية، حيث تُبنى سلطة محلية على أنقاض المواطنة، وتُفرغ العدالة الانتقالية من مضمونها لصالح تسويات مرحلية غير قادرة على بناء عقد اجتماعي جامع.
بيد أن ما يُمارسه الجولاني اليوم ليس سلوكًا إرهابيًا معزولًا ولا انزلاقًا طائفيًا ظرفيًا، بل هو مشروع سياسي بديل، يتأسس على إنتاج “دولة ظل” تتماهى في بنيتها الرمزية والمؤسساتية مع النموذج الطالباني، حيث تُستبدل الدولة القومية بمنظومة إمارة شرعية مغلقة، تُقصي المرأة، تُخضع المكونات العرقية، وتُعيد إنتاج التاريخ الإسلامي بوصفه غطاءً لتكريس سلطة فقهية عنيفة وغير خاضعة لأي مساءلة مدنية أو قانونية.
كما يعتبر هذا المشروع النقيض الجذري لفكرة العدالة الانتقالية، لأنه لا يكتفي بإنكار الجرائم، بل يُحوّلها إلى بنية حكم، ويحوّل الضحايا إلى أعداء وجوديين يجب اجتثاثهم لا المصالحة معهم.
لقد صدّقت العديد من الدول في المنطقة، بتزكية وضمانات سعودية، أن الجولاني قد تغيّر، وأن مشروعه الجديد هو توحيد سوريا على قاعدة الدولة الوطنية الجامعة. لكن الوقائع المتراكمة، بدءًا من عمليات القتل والحرق الموثّقة ضد الأقليات، وصولًا إلى تصعيد الخطاب العدائي تجاه الكُرد، تُظهر أننا لسنا أمام عملية انتقال نحو دولة بل أمام تقويض شامل لمفهوم الدولة، وإعادة تفعيل منطق الإبادة كأداة للحكم. وإذا استمرت الدول الفاعلة في الرهان على هذا النموذج، فإننا لن نكون بصدد حل سياسي، بل بصدد تأسيس جغرافي لمشروع استبدادي ديني لا يقلّ خطورة عن داعش، ولكنه أكثر دهاءً وتنظيمًا ومأسسةً.
فما يجري في سوريا اليوم، تحت سلطة أمر واقع تلبس قناع “الإدارة”، لا يمثل فقط انحرافًا عن مسار العدالة الانتقالية، بل يفضح هشاشة البنية الأخلاقية والسياسية لهذا النظام الناشئ. والواقع أن بعض القوى الإقليمية، وفي طليعتها المملكة العربية السعودية، كانت قد زكّت مشروع الجولاني، ومنحته غطاءً سياسيًا غير مباشر، باعتباره رهانًا جديدًا على توحيد ما تبقى من الجغرافيا السورية خارج النظام الرسمي، في أفق بناء دولة سورية وطنية جامعة. غير أن الوقائع الأخيرة من قتلٍ جماعي، واعتداءات ممنهجة على الأقليات، وتهديدات صريحة موجهة ضد الدروز والأكراد تبرهن أن ما تم تقديمه كمشروع إدارة انتقالية ليس إلا إعادة إنتاج لنظام إقصائي جديد، يرتكز على الإلغاء والإخضاع لا على المصالحة والتعددية.
وإذا كان البعض يعتقد أن هذه التجربة قد تُقاس بما جرى في أفغانستان، فإن هذا القياس يُخفي خطرًا استراتيجيًا بالغًا؛ فأفغانستان تقع على هامش النظام الإقليمي، في حين أن سوريا تمثل القلب الجيوسياسي النابض للشرق الأوسط. إن تحوّلها إلى نموذج طالباني جديد لا يهدد الداخل السوري فقط، بل يفتح المجال أمام زلازل طائفية، واستقطابات جيوأمنية، تمتد من المتوسط إلى الخليج، ومن شمال العراق إلى جنوب لبنان.
وغني عن البيان، أن هذا المشهد ازداد توترًا بعد التصريحات الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي عبّر لأول مرة بوضوح عن أن الأكراد ليسوا أعداء، بل “إخواننا”، وهي رسالة مشفّرة تُقرأ بدقة في دمشق كما في إدلب، وتُثير مخاوف لدى الإدارة السورية من احتمال دخول أنقرة على خط المصالحة الكردية، بما يهدد التوازنات التي يستند إليها الجولاني وسائر الفاعلين في المنطقة. إن هذا التصريح لم يأت من فراغ، بل من مقاربة استراتيجية يراهن فيها أردوغان على إعادة تموضع تركيا في ما بعد الأزمة، وهو ما يدفع الجولاني إلى تكثيف عدائه للأكراد باعتبارهم العقدة المركزية في أي مشروع لإعادة بناء الدولة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا الصدد، لا يتعلق فقط بإمكانية محاسبة الجولاني أو تطويق خطره، بل في ماهية الخطأ الذي جعل المنظومة الدولية، ومعها بعض العواصم الإقليمية، تقتنع بإمكانية أن يُنتج المشروع التكفيري نموذجًا للحكم المدني. إنها الخطيئة ذاتها التي وقعت فيها أوروبا قبل الحرب العالمية الثانية حين اختارت أن تصمت على صعود النازية بدعوى السيادة والاستقرار الداخلي، إلى أن تحوّل المشروع إلى آلة جهنمية قضت على ملايين الأبرياء. فهل تنتظر المنطقة حتى تتحول إدلب إلى “أوشفيتز جديدة”، باسم الدين هذه المرة، قبل أن يتحرك المجتمع الدولي؟ أم أن الوقت لا يزال متاحًا لوقف هذا الانحدار، واستعادة مسار العدالة الانتقالية الذي وُلد ميتًا في سوريا بسبب تحالف العجز الدولي مع وقاحة الفاعلين المحليين؟
في الواقع، إن خطورة هذا المنعطف لا تكمن فقط في طبيعته الدموية أو في سلوكياته القمعية، بل في قابلية تطبيعه سياسيًا من طرف قوى إقليمية ترى في تبني الجولاني ورقة تكتيكية لتحجيم النفوذ الإيراني والتركي في آن واحد، وهي نظرة قاصرة تقارب المعادلة السورية بمنطق الأوزان الجيوسياسية لا بمنطق الحقوق والكرامة والمشروعية، فتحويل سوريا إلى حقل تجارب استراتيجي تُجرى فيه مقايضات بين المتشددين وأمراء الحرب ليس إلا تمهيدًا لتفكيك الدولة نهائيًا، واستبدالها بفسيفساء مذهبية مسلّحة، يتم ضبط إيقاعها من العواصم الإقليمية لا من دمشق ولا من إدلب.
وهنا يُطرح السؤال الجوهري: هل الجولاني غير قادر على ضبط الفوضى التي تنتجها جماعته؟ أم أن هذه الفوضى هي جوهر مشروعه السياسي، وليست استثناءً منه؟ إن الإجابة ليست تقنية ولا عسكرية، بل فلسفية بامتياز: إذ إن كل مشروع يُبنى على إقصاء الآخر لا يمكن إلا أن يُنتج الفوضى، لا باعتبارها خللًا، بل باعتبارها وسيلة لإعادة بناء المجتمع وفق منطق الهيمنة الأحادية.
ومن ثم، فإن التواطؤ مع هذا المشروع، سواء بالصمت أو بالدعم غير المباشر، يعني بالضرورة إعادة إنتاج “الهتلرية المشرقية”، ولكن بلبوس ديني وشرعي هذه المرة، حيث يُصبح العرق أو المذهب أو اللغة سببًا مشروعًا للتطهير والحرق والطرد.
أما بخصوص العدالة الانتقالية، كما عرفها الفكر السياسي الحديث، ليست مسألة قانونية فحسب، بل هي تعبير عن إرادة سياسية تنشد إعادة التوازن الأخلاقي داخل المجتمع عبر كشف الحقيقة، ومحاسبة الجناة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار. وفي الحالة السورية، لا يمكن إطلاق هذا المسار ما دامت قوى الأمر الواقع، سواء في دمشق أو في إدلب، تمارس العنف الرمزي والمادي، وتُحكم قبضتها على الجغرافيا البشرية، وتمنع أي خطاب بديل من التشكل أو الانتشار. فالجولاني، مهما غيّر مظهره الخارجي أو عدّل من لهجته في المقابلات الصحافية، يبقى سليل مدرسة فكرية لا تؤمن بالتعدد ولا تعترف بالتعايش، بل تستبطن سردية الخلافة بوصفها أعلى من الدولة، والمبايعة أعلى من المواطنة، والانتماء العقائدي أعلى من العقد الاجتماعي.
وتبعا لذلك، يظل الاستمرار في تجاهل هذا الواقع لا يهدد فقط مستقبل سوريا، بل الأمن الإقليمي ككل، لأن ما يجري في إدلب اليوم ليس سوى نواة قابلة للتوسع، تحت تأثير عاملين متلازمين: هشاشة الدولة المركزية، وتآكل اليقظة الإقليمية. وإذا لم يتم التعامل مع المشروع الجولاني كخطر بنيوي وليس فقط كحالة محلية، فإن المنطقة بأسرها ستجد نفسها أمام إعادة إنتاج النموذج الطالباني في قلب الشام، هذه المرة ليس كقوة متمردة، بل ككيان سياسي قائم يتم منحه الشرعية تحت ذريعة “الأمر الواقع”.
عموما، نقول بأن هذه اللحظة التاريخية الراهنة لا تحتمل المزيد من التردد أو الغموض، فالمطلوب اليوم ليس فقط موقفًا سياسيًا، بل مقاربة استراتيجية شاملة تُعيد تعريف ما يُسمى بالأمن الإقليمي، ليس بوصفه توازنا بين القوى، بل باعتباره فضاء أخلاقيًا وسياسيًا لا يمكن أن يُدار من قبل أمراء الطوائف ولا تجار العنف.
فإما أن نعيد إلى سوريا مسارها التاريخي بوصفها دولة تعددية حامية لكل مكوناتها، وإما أن نتركها تتفكك لصالح مشروعات ما دون-وطنية، تقودها منابر الموت، وتُعيد إنتاج الجريمة باسم القداسة.
