حينما يصبح الصعود إلى الموت كوسيلة أخيرة للحديث ؟

فنجان بدون سكر:

حينما يصبح الصعود إلى الموت كوسيلة أخيرة للحديث ؟

بقلم : عبدالهادي بريويك 

ما الذي يدفع مواطنا مغربيا إلى تسلق عمود كهرباء أو خزان ماء أو سطح بناية شاهقة مهددا بالانتحار؟ هل وصل المواطن المغربي إلى هذه الدرجة من الاختناق الاجتماعي حتى لم يعد يرى أمامه إلا السماء ليستغيث منها، بعدما أُغلقت في وجهه الأرض ومن عليها؟

في مشاهد تتكرر في أكثر من مدينة – من خنيفرة إلى تاونات، ومن جرادة إلى أحياء الهامش في الدار البيضاء – نرى شبابا وأرباب أسر، معطلين ومرضى، يصعدون إلى الموت كوسيلة أخيرة للحديث، للاحتجاج، لطلب الانتباه. فهل تساءلت الحكومة المغربية يومًا: لماذا أصبح اليأس وسيلة للتعبير؟ ولماذا لم تعد مؤسسات الدولة قادرة على احتواء الغضب قبل أن ينفجر فوق الأسلاك والكهرباء والمياه؟

ما الذي أوصل الناس إلى الإحساس بأنهم غير مرئيين، غير مسموعين، وكأنهم مواطنون من درجة ثالثة؟ أليست هذه مؤشرات على فشل السياسات الاجتماعية، وعلى عمق الهوة بين البرامج الحكومية والواقع المعيشي الصعب؟ أين نتائج مبادرات التشغيل والدعم، كـ”فرصة” و”أوراش” و”الحماية الاجتماعية”، حين لا تصل إلى من هم في أمس الحاجة إليها؟ وأين العدالة المجالية التي تتحدث عنها الخُطب، بينما قرى بكاملها تُدفن تحت الصمت والتهميش؟

لا أحد يُبرّر هذه الأفعال الخطيرة، لكن لا أحد يملك الحق أيضًا في تجاهل أسبابها. حين يصل المواطن إلى هذه الحافة، فذلك لأن الطرق السلمية للشكوى والحوار قد انسدت، ولأن الكرامة تُهدد في تفاصيل يومية: شغل غائب، علاج مستحيل، تعليم منقوص، وعدالة بطيئة، ومؤسسات لا تُنصت.

ما المطلوب إذًا؟ هل ننتظر ضحية جديدة تسقط من فوق “شاطو ماء” لتبدأ لجان التحقيق؟ أم نتحرك الآن، وبشكل حقيقي، لإعادة بناء جسور الثقة بين المواطن والدولة؟ وهل تستطيع الحكومة اليوم الاعتراف بأن الأزمة ليست تقنية أو ظرفية، بل أزمة ثقة، وأزمة معنى، وأزمة أفق؟

المغاربة لا يطلبون المعجزات، بل فقط أن يُعاملوا كمواطنين كاملين، يسمعهم المسؤول قبل أن يراهم العالم وهم يهددون بالموت من أجل الحق في الحياة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*