فنجان بدون سكر:
مسمار الطالبي… حينما يتحول الخطاب السياسي إلى تعالٍ على الشعب
بقلم: عبد الهادي بريويك
في مشهد سياسي بات يتكرر بصورته الهزلية أكثر مما يُحتمل، خرج السيد راشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب، عضو المكتب السياسي لحزب الأحرار، بتصريح أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه مستفز ومتعالٍ على معاناة المغاربة.
تحدث عن “مسمار التجمع” الذي يجب أن يُدق دقًا حتى “يدخل النعش”، في إشارة إلى حدة الصراع السياسي، لكنه – عن وعي أو استهزاء – تجاهل أن المسمار الحقيقي هو ذاك الذي غُرس في عظام الشعب، لا في الخصوم السياسيين.
فمنذ متى صار اللعب بالكلمات الثقيلة لعبة خطابية مقبولة ناجمة عن مسؤول يمثل مؤسسة دستورية مثل البرلمان؟ والأخطر من ذلك، كيف يسمح رجل في موقعه لنفسه أن يحتفل ضمنيًا بأن انتخابات 2026 “دارت في الجيب”، وكأن إرادة الناخبين مجرد أرقام في دفتر مفاوضات حزبيّة مغلقة؟ هذا التصريح ليس مجرد زلة لسان، بل هو صورة صادمة للثقة الزائدة التي أصبح يتمتع بها حزب التجمع الوطني للأحرار في احتكار المشهد السياسي، في ظل تراجع واضح لقيمة الفعل الديموقراطي، وهيمنة المال والنفوذ والزبونية على مجريات الحياة العامة.
المسمار الذي يتحدث عنه الطالبي، قد يكون رمزيًا بالنسبة له، لكنه فعلي وواقعي في جسد المواطن:
مسمار الغلاء الذي لا يُطاق،
مسمار الأجور المجمدة،
مسمار البطالة المقنّعة،
مسمار الانهيار التعليمي والصحي،
مسمار احتقار الكفاءات،
ومسمار اللامساواة التي تزداد عمقًا يومًا بعد يوم.
لقد أصبح الخطاب السياسي اليوم، بفضل هذا النوع من التصريحات، متعاليًا ومنفصلًا تمامًا عن الواقع. وكأن الشعب مجرد خلفية صامتة تُلقى أمامه العبارات الحماسية، بينما التخطيط الحقيقي يتم في دهاليز السلطة والمال.
إن ما قاله الطالبي لا ينبغي أن يُمر مرور الكرام، لأنه يُشكل تهديدًا للثقة بين المواطنين والمؤسسات، ويؤكد أن هناك من يعتقد فعلاً أن الديموقراطية مجرّد مرحلة شكلية، والانتخابات مجرد محطة محسومة سلفا.
إن المطلوب اليوم هو ليس فقط نقد هذا النوع من الخطابات، بل فضحها وتعريتها، لأنها تمثل منطق التحكم والاستخفاف بذكاء المواطنين.
المطلوب هو استرجاع المعنى الحقيقي للفعل السياسي، المرتبط بمصلحة الشعب، لا بمصلحة الحزب ولا بحسابات المقاعد.
وإذا كان الطالبي ومن على شاكلته يعتقدون أن الانتخابات المقبلة في “الجيب”، فعليهم أن يتذكروا جيدًا: الشعب المغربي حين ينتفض، لا يستأذن أحدًا.
