قد يؤدي الانتظار إلى الانفجار..

قد يؤدي الانتظار إلى الانفجار..

كتبها: احمد الدافري 

المناظرة التلفزية التي جرت بين أحمد عصيد وبين الأستاذ الجامعي المتخصص في الاقتصاد طلال الحلو، قد تكون مفيدة جدا، وهو أمر مهم أن تكون هناك مناظرات تلفزية حول قضايا حقوقية وفكرية وثقافية ودينية وعلمية، تدفع الناس نحو التفكير، وأخذ المواقف المناسبة من أجل الدفع بالمجتمع نحو الأمام. 

لكن وسط هذا النقاش الرائج حاليا في شبكات التواصل الاجتماعي، حول مخرجات هذه المناظرة، هناك أمر أرى أنه سيكون من الأهم الانتباه إليه، وهو أمر يحدث داخل المجتمع، وربما يحتاج إلى نقاش أوسع، لكونه يتعلق بوضع في منتهى الخطورة، يمس فئات عديدة من أفراد المجتمع. 

 

ربما سيكون مفيدا أن يتم طرح هذا الموضوع الخطير للنقاش، ليس بين رجل اسمه عصيد وآخر اسمه الحلو، بل بين من لديهم سلطة اتخاذ القرارات وسن السياسات، وعلى رأسها سياسة تشغيل جيش هائل من الشباب الذين درسوا في الجامعات، وكافحوا من أجل الحصول على الدبلومات والشهادات، منها شهادات الماستر والدكتوراه، ويجدون أنفسهم حاليا بدون شغل، عاطلين عن عمل لم يتمكنوا من ولوجه في الأصل، فتتراكم عليهم الخيبات، ومنهم من يُصاب بحالات اكتئاب وتنتابه مشاعر العداء لهذا البلد الذي كان يرجو أن يكون مواطنا فاعلا فيه، بعد طول كد واجتهاد، وأن ينال داخله بعضا من الكرامة، ولعل أول أنواع الكرامة الإنسانية هي ألا يوجد بيننا شخص يكاد يصل إلى الثلاثين من عمره، حامل لشهادة عليا، ومازالت تصرف عليه والدته أو يصرف عليه والده اللذان كانا ينتظران أن يكون أبناؤهم سندا لهما، فأصبحا يجتران المرارة وهما يتابعان الحرب الضروس التي يخوضها يوميا هؤلاء الأبناء من أجل الحصول على شغل يقيهم من حرج مد أياديهم طلبا لمساعدة مالية، كي يركبوا التاكسي أو الحافلة أو القطار، ويسافروا من مدينة إلى مدينة أخرى بعيدة، لاجتياز مباراة هم والعشرات بل المئات من أمثالهم، طمعا في وظيفة تم تخصيص لها منصب واحد وواحد فقط، غالبا ما يكون معروفا من سيناله ومحجوزا لفائدة من لديه وساطة ما. 

لقد تألمت من حال شاب كان قد جاء من مدينة بولمان إلى مدينة شفشاون كي يجتاز مباراة متصرف من الدرجة الثانية أعلنت عنها عمالة إقليم شفشاون، في تخصص علمي دقيق. 

مباراة لتوظيف شخص واحد فقط في إطار متصرف من الدرجك الثانية.

الشاب اجتاز المباراة يوم الأحد 11 ماي 2025. 

وهذا اليوم، بالصدفة، هو تاريخ يوم ميلادي. 

هذه معلومة ليست هامة. 

المعلومة الهامة هي أن هذا الشاب كان قد أتى من مدينة بولمان، كي يتبارى في الاختبار الكتابي هو وعدد كبير من المرشحين على منصب واحد، وواحد فقط. 

الشاب ينتمي إلى أسرة متواضعة. 

 المسافة بين بولمان وشفشاون هي حوالي 296 كلم، ويتم قطعها عبر الطريق الوطنية في مدة لا تقل عن خمس ساعات ونصف، بدون توقف. 

الشاب قدم من بولمان إلى شفشاون يوم السبت 10 ماي، وبات في فندق متواضع، كي يجتاز الاختبار الكتابي للمباراة في الساعة التاسعة صباحا من اليوم الموالي بإحدى المؤسسات التعليمية.

مرت المباراة في ظرف جيد بالنسبة إلى الشاب البولماني.

 لقد شعر أنه قام بالواجب وأجاب عما كان مطلوبا.

 عاد الشاب إلى مدينة بولمان، ومن حسن حظه أنه وجد نفسه في اليوم الموالي ضمن لائحة المدعوين لاجتياز الاختبار الشفوي، بعد أن دخل إلى الموقع الإلكتروني الذي كان قد وضع فيه وثائق الترشح للمباراة. 

عدد الذين نجحوا في الاختبار الكتابي للمباراة هو 19 شخصا، فيهم الذكور والإناث. 

 لم يتم تحديد وقت معين للاختبار الشفوي.

 تحت لائحة المدعوين تمت كتابة خبر يفيد أنه سيتم الإعلان عن موعد الاختبار الشفوي لاحقا. 

لا مشكلة في الانتظار. 

في نهاية الأسبوع الماضي تم الإعلان عن موعد إجراء الاختبار الشفوي للمباراة التي تم تحديدها في يوم 

الخميس 24 يوليوز الجاري. 

شهران و13 يوما من الانتظار. 

 الشاب البولماني الحاصل على شهادة الماستر في أحد تخصصات العلوم الدقيقة، مد يده لأهله، وحصل منهم على بعض المال، وركب الحافلة يوم الأربعاء الماضي، في جو حار جدا، وبات في الفندق المتواضع بشفشاون، واستيقظ يوم الخميس في الصباح الباكر، وذهب إلى المؤسسة التعليمية التي سيتم فيها إجراء الاختبار الشفوي الذي استعد له، وحين جاء دوره دخل إلى القسم وجلس أمام لجنة تتكون من ثلاثة أشخاص، طرحوا عليه عددا من الأسئلة. 

 أجاب الشاب عن الأسئلة وفق ما قام بتحضيره استعدادا للاختبار، وخرج، وكان الجو حارا. 

عاد الشاب إلى مدينة بولمان. 

عاد منهكا متعبا في حالة يشفق عليه منها الأعداء قبل الأصدقاء. 

بات ليلته قلقا. 

إن العمر يجري وهو ليس لديه مال كي يفتح محلا تجاريا يسترزق به الله، ولا تطاوعه نفسه أن يكتري عربة ذات عجلات يبيع فوقها الخضر والفواكه.

لأن مهنة بيع الخضر والفواكه تحتاج إلى قدرة على مراوغة أعوان السلطة في الأزقة والشوارع، والهروب من مكان إلى مكان، وهو بنيته الجسدية ضعيفة، ولا يستطيع لا جر العربة ولا الهروب من أعوان السلطة. 

في صباح يوم الجمعة الماضي، أول ما فعل الشاب هو فتح هاتفه والدخول إلى الموقع لمعرفة إن كانت نتيجة الاختبار الشفوي قد ظهرت.

نعم. لقد ظهرت النتيجة. 

وفيها اسم واحد فاز بالمنصب الوحيد في عمالة شفشاون. 

إنه اسم فتاة. 

هذه ليست قصة من وحي الخيال. 

هذه قصة لما هو عليه واقع الحال. 

هي قصة حقيقية تتكرر مع عدد كبير من الشبان الذين يبحثون عن وسيلة للعيش بكرامة من خلال منصب شغل يكفيهم شر الإحساس بالمهانة وهم يمدون أيديهم نحو الآخرين. 

أين نحن من نقاش حول الوضع الذي يعيشه هؤلاء؟

هل ينبغي الانتظار، إلى أن يحدث الانفجار؟

الله يدير تاويل الخير.

وهذا ما كان.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*