الحاشية السفلى: من الصمت إلى انفجار العنف والفوضى
ذ. المصطفى المريزق
أستاذ باحث في علم الاجتماع
رئيس الجامعة الشعبية المغربية ومؤسس الطريق الرابع
لطالما كانت الحاشية السفلى – أي الفئات الهشة، المهمشة والمستبعدة اجتماعيا وسياسيا وثقافيا، في المدن والقرى والضواحي – صامتة، منسية، وموضوعة خارج مدار الفعل السياسي والاجتماعي.
لكن هذا الصمت لم يكن يومًا علامة رضا، بل كان صمتًا هشًّا يخفي وراءه تراكماً من الاحتقان، سرعان ما ينفجر في لحظة انسداد سياسي أو اجتماعي.
وهكذا يتحول الغياب إلى حضور صاخب، و العتمة إلى احتجاج غير منظم.
في العديد من مقالاتنا حول “الطريق الرابع”، أكدنا أن الهامش ليس مجرد فضاء جغرافي أو حالة اجتماعية، بل هو قلب الأزمة الوطنية، ومفتاح أي مشروع بديل. فالحاشية السفلى، التي طالها الإقصاء والتهميش لعقود، ظلت في حالة صمت قسري أو اختيار اضطراري، إلى أن تحولت إلى مصدر لانفجارات اجتماعية غير منظمة، اتخذت أحيانًا شكل العنف والفوضى
من منظور سوسيولوجي نقدي، يمثل الهامش مرآةً لأزمة عميقة تعيشها الدولة والمجتمع. فالإقصاء الطويل، وغياب العدالة المجالية، واستمرار التفاوتات الاجتماعية، كلها عوامل تجعل الحاشية السفلى تتنقل من موقع المتفرج إلى فاعل غاضب خارج القنوات التقليدية للوساطة.
إنها ليست مجرد احتجاجات معزولة، بل تعبير عن خلل في البنية العامة للوساطة الاجتماعية والسياسية.
في تصورنا لـ”الطريق الرابع”، لا يمكن قراءة تحولات الهامش بمعزل عن البحث عن بدائل سياسية وفكرية جديدة.
فالأحزاب التقليدية، والنقابات وكذلك الجمعيات، عجزت عن مواكبة قضايا الفئات الهشة، وأصيبت بالوهن.
لذلك، فإن الطريق الرابع يقترح إعادة بناء علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع على أساس العدالة المجالية، وتوزيع الثروة، وفتح فضاءات المشاركة أمام من هم في الأسفل.
من جهة أخرى، إذا استمر تجاهل الحاشية السفلى، فإن انفجار العنف سيظل يهدد الاستقرار.
لكن إذا جرى الاعتراف بها، وإدماجها في مشروع وطني يربط بين الحرية والعدالة والمساواة، فإننا سننتقل من الاحتجاج غير المنظم إلى أشكال ناضجة من المشاركة والمواطنة الجديدة.
وهذا يتطلب إرادة سياسية، ومشروعًا اجتماعيًا قائمًا على الإنصات والاعتراف، بدل المقاربة الأمنية وحدها.
ختاما، الحاشية السفلى ليست مجرد “مشكلة اجتماعية”، بل هي قضية وطنية تمس جوهر العقد الاجتماعي.
من الصمت إلى الانفجار، تكشف هذه الفئات أن التغيير آتٍ من الأسفل، وأن أي مشروع سياسي لا يأخذ الهامش بعين الاعتبار، محكوم عليه بالهشاشة والفشل.
إن الطريق الرابع هو دعوة إلى تحويل هذا الصخب إلى قوة بناء، بدل أن يبقى مجرد انفجار للعنف والفوضى.


