إفتتاحية
“حاولوا تقربوا الدوار للمدرسة ماشي تقربوا المدرسة للدوار”
سياسي: رشيد لمسلم
أثار التصريح اللفظي الصريح لوزير التربية الوطنية برادة، الذي جاء فيه: “حاولوا تقرّبوا الدوار للمدرسة ماشي تقرّبوا المدرسة للدوار”، جدلا واسعا على المستوى الوطني، ليس فقط بسبب لغته المباشرة، بل لما يحمله من دلالات تتناقض مع فلسفة القرب التي قامت عليها السياسات العمومية في المغرب خلال السنوات الأخيرة.
فلسفة القرب تقوم على مبدأ أساسي هو أن الخدمات العامة يجب أن تتجه نحو المواطن لا أن يُجبر المواطن على التكيف مع قصور الخدمة، وهو مبدأ يتجاوز كونه شعارا نظريا ليصبح معيارا لتقييم نجاح الإصلاحات في مجالات الصحة والتعليم والإدارة المحلية.
وعندما يصدر تصريح من هذا النوع من مسؤول حكومي في قطاع حساس كالتربية، فإنه لا يبقى في حدود الكلام، بل يترجم شعورا بعدم الفهم والتقدير لدى المواطن، خصوصا في المناطق القروية التي تعاني أصلا من صعوبة الولوج إلى المدارس، حيث يضطر الأطفال إلى قطع مسافات طويلة أحيانا على أرصفة وعرة، تحت حرارة الشمس الحارقة أو البرد القارس، للوصول إلى مدارس تبعد عن دواويرهم كيلومترات عدة، وهو واقع أكدته العديد من التقارير الرسمية والدراسات الميدانية التي أظهرت أن بعد المدارس عن التجمعات السكانية يزيد من الهدر المدرسي، ويرفع نسب التسرب، خصوصا بين الفتيات.
وفي هذا السياق، يبدو تصريح الوزير وكأنه ينقل المسؤولية من الدولة، المكلفة أساسا بضمان الحق في التعليم، إلى المواطن، وكأن على سكان الدواوير تغيير مكانهم أو نمط حياتهم لتقريبهم من المدرسة، بينما الواقع أن الدواوير ليست وحدات قابلة للنقل، بل تجمعات بشرية متجذرة في أرضها وتاريخها وجغرافيتها، لها خصوصيات اجتماعية وثقافية لا يمكن تجاوزها بمجرد توجيه كلامي.
وما يزيد من حدة الجدل هو أن هذا التصريح يرسل رسائل ضمنية حول علاقة المواطن بالدولة، فهو لا يعكس مجرد خطأ لغوي أو لفظيا، بل يعكس تصورات محتملة لبعض المسؤولين عن مسؤوليات الدولة وواجباتها، وما يمكن أن يترتب على ذلك من شعور بالغبن أو التجاهل لدى المواطن، خصوصا حين يتعلق الأمر بحقوق أساسية مثل التعليم، وهو أمر ينعكس سلبا على رصيد الثقة بين المواطن والمؤسسة ويجعل التواصل الرسمي أكثر هشاشة، بينما كان بالإمكان التعبير عن الرؤية الإصلاحية للوزارة بشكل يحافظ على كرامة المواطنين ويستجيب لمقتضيات الواقع الميداني، عبر سياسات عملية تركز على بناء المدارس الجماعاتية التي تخدم عدة دواوير في الوقت نفسه، وتوسيع النقل المدرسي وضمان استدامته، وتوفير الداخليات والمرافق الملائمة للأطفال البعيدين عن مراكز المدارس، بالإضافة إلى إعادة النظر في خريطة المدارس وفق معايير علمية تراعي البعد الجغرافي وحقوق الأطفال في التعليم، بعيدا عن التفسير المجتزأ الذي يجعل المواطن هدفا للعبء بدل أن يكون شريكا في الإصلاح.
ويظل جوهر المسألة أن التعليم ليس امتيازا، بل هو حق أساسي ودستوري، والدولة مسؤولة عن ضمان الولوج إليه في كل مكان وزمان، والتصريح الصريح للوزير يطرح تساؤلات عميقة حول فهم بعض المسؤولين للواقع القروي وقدرتهم على الاستجابة لتحديات التعليم الأساسي، وهو ما يتطلب إعادة النظر في أسلوب الخطاب الرسمي بحيث يصبح معبرا عن رؤية حقيقية للإصلاح، وموصلا للرسالة بأن الدولة تتحرك لخدمة المواطنين لا تحميلهم أعباء ما يفترض أن تقوم به المؤسسات، لأن المدرسة لا تنتظر أن يتحرك المواطن لتقترب منه، بل على الدولة أن تتحرك لضمان أن التعليم يصبح في متناول الجميع، في المدن والقرى على حد سواء، وأن يتم تصميم السياسات التعليمية وفق معايير العدالة المجالية والكفاءة والفاعلية، بحيث تكون المدارس أقرب إلى السكان، والنقل المدرسي متاحا، والمرافق التعليمية مجهزة، والداخلية ملائمة، وأن تكون خريطة المدارس مرنة، تراعي احتياجات السكان ومحدودية الموارد في الوقت ذاته، وهذا وحده ما يمكن أن يجعل التصريحات الحكومية متسقة مع الواقع الميداني ويعيد الثقة بين المواطن والدولة ويعزز الانخراط الجماعي في مشروع وطني للتعليم يرتقي بالمستوى ويصون الحقوق ويحقق العدالة الاجتماعية والمجالية، بعيدا عن أي لغة تحمل طابع التبرير الشخصي أو نقل المسؤولية عن الدولة إلى المواطن، لأن مستقبل الأطفال، ومستقبل الوطن، لا يمكن أن يُترك رهنا بالكلمات غير المحسوبة، بل يتطلب سياسة واعية، وخريطة مدرسية مدروسة، وخطابا مسؤولا، ومؤسسات تعمل لصالح المواطن أينما كان.
