فيضانات آسفي 2025: مأساة كان يمكن تفاديها… حين يغرق الإنسان قبل الحجر

إفتتاحية:

فيضانات آسفي 2025: مأساة كان يمكن تفاديها… حين يغرق الإنسان قبل الحجر

سياسي:  رشيد لمسلم

لم تقتل الأمطار وحدها سكان آسفي في تلك الليلة السوداء من دجنبر 2025.

ما حدث كان نتيجة تراكم سنوات من الإهمال، وسوء التخطيط، وغياب الوقاية.

ففي غضون ساعات، تحولت أحياء كاملة إلى مصائد موت، وغرقت بيوت بأكملها، بينما كان السكان يواجهون السيول بأيديهم العارية.

صرخات تحت الماء… بشر لا أرقام:

بين الأزقة الضيقة والمنازل الهشة، حاصرت المياه العائلات وهي نائمة.

أطفال، نساء، ومسنون وجدوا أنفسهم عالقين بين جدران لا تحمي، وسقوف لا تصمد.

لم يكن أمام كثيرين سوى الصراخ، أو الصعود إلى الأسطح، أو التشبث بما تطاله الأيدي، في مشاهد تختصر عجز الإنسان حين يُترك وحيدا أمام الكارثة.

الضحايا ليسوا مجرد أرقام في بلاغات رسمية، بل حيوات انطفأت، وأسر فقدت أحباءها، وذكريات جرفتها السيول بلا إنذار.

أمطار متوقعة… وكارثة غير مستعد لها:

لم تكن التساقطات المطرية مفاجِئة من حيث التوقعات الجوية، لكن المفاجئ كان غياب الجاهزية.

شبكات تصريف مياه الأمطار فشلت، والمجاري المسدودة تحولت إلى أنهار داخل الأحياء، بينما كُشف مجددا عن هشاشة البنية التحتية في مدينة ساحلية يفترض أنها اعتادت على تقلبات الطقس.

وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح:

هل قُدّر لآسفي أن تدفع ثمن الإهمال العمراني؟ من المسؤول حين يغرق المواطن؟

سنوات من:

البناء في مناطق منخفضة

غضّ الطرف عن التوسع العشوائي

غياب الصيانة الدورية لقنوات الصرف

تأجيل مشاريع الحماية من الفيضانات

كلها عوامل صنعت مأساة لم تكن قضاء وقدرا خالصا، بل نتيجة قرارات، أو غيابها.

المواطن البسيط لا يسأل عن تقارير تقنية ولا عن تبريرات إدارية، بل يسأل سؤالا واحدا:

لماذا لم تُحمَ أرواحنا؟

إنقاذ متأخر… ووجع سابق

رغم التدخل الشجاع لعناصر الوقاية المدنية، إلا أن الزمن كان أسرع من الجميع.

في الكوارث الطبيعية، الدقائق الأولى تنقذ الأرواح، وحين تغيب الوقاية، يصبح التدخل مجرد محاولة لتقليل الخسائر، لا منعها.

التضامن الشعبي… ما تبقّى من الأمل

وسط الخراب، برز وجه آخر للمغرب: جيران يفتحون بيوتهم، شباب يوزعون المساعدات، جمعيات تحاول سد الفراغ، في مشهد إنساني يعكس قوة المجتمع حين تتراجع المؤسسات.

لكن التضامن، مهما كان نبيلا، لا يجب أن يكون بديلا عن الدولة.

آسفي ليست استثناءً… بل إنذارًا

ما حدث في آسفي ليس حالة معزولة، بل تحذير صريح لمدن مغربية أخرى تعيش الهشاشة نفسها.

في زمن التغير المناخي، لم تعد الكوارث احتمالا نادرا، بل واقعا متكررا، ومن لا يستثمر في الوقاية اليوم، سيدفع الثمن غدا… بشرا قبل حجر.

كرامة الإنسان أولا

فيضانات آسفي ستُنسى في عناوين الأخبار، لكن جرحها سيبقى مفتوحا في ذاكرة الضحايا.

المطلوب اليوم ليس فقط التعويض، بل المحاسبة، التخطيط، والاستثمار في حماية الإنسان.

ففي بلد يراهن على المستقبل، لا يجب أن يموت المواطن غرقا بسبب مطر… ولا أن تُختصر الكارثة في عبارة: “تساقطات مطرية قوية”. 

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*