*الدفاع عن القانون الدولي ليس إنكارًا لمعاناة الشعوب*
كتبها: المهدي الصبار
في خضمّ النقاش الدائر حول ما يجري في فنزويلا، يتردّد خطابٌ يرى أن حق إبداء الرأي ينبغي أن يقتصر على الفنزويليين وحدهم، وأن أي تحفّظ على خرق القانون الدولي اليوم لا يعدو كونه تجاهلًا لصمتٍ سابق حين انتهك النظام ذاته حقوق شعبه واستخفّ بالإرادة الانتخابية. ويُضاف إلى ذلك منطقٌ يعتبر أن الفرح بأي خطوة تُنهي حكمًا استبداديًا يجب أن يُسكت كل اعتراض، وأن يُعلّق أي نقاش قانوني باسم المعاناة المتراكمة.
هذا الطرح، على ما يبدو من وجاهة عاطفية، يخلط بين أمرين مختلفين: توصيف الجريمة، وتبرير خرق القاعدة. فكون نظامٍ ما قد انتهك القانون لا يحوّل القانون نفسه إلى عبء يمكن التخلّص منه، ولا يجعل تجاوزه اللاحق أكثر مشروعية.
بل إن إضعاف القاعدة مرّةً أخرى، مهما كانت الذريعة، لا يُصلح الخلل بل يوسّعه، خصوصًا حين يصدر الخرق عن طرفٍ يدّعي الدفاع عن النظام القانوني الدولي ذاته.
من الطبيعي أن يعيش كثير من الفنزويليين هذه اللحظة بشحنة عاطفية عالية.
فحين يطول الألم، تتقدّم المشاعر في التعبير عن الأمل، ويغدو أي احتمال للتغيير سببًا مفهومًا للفرح.
غير أن الاعتراف بشرعية هذا الشعور لا يعني القبول غير المشروط بكل مسارٍ يُفضي إليه، ولا يبرّر تحويل التعاطف الإنساني إلى غطاء لتجاوزات تتجاوز السياق الفنزويلي نفسه.
ومن الضروري هنا توضيح ما أسيء فهمه مرارًا: إن التحفّظ على هذه المناورة لا ينطوي، بأي حال، على دفاع عن نظام مادورو أو تبرير لسلطويته.
فرفض الاستبداد في فنزويلا موقفٌ أخلاقي وسياسي واضح. غير أن هذا الرفض لا يستلزم القبول بعلاقات دولية تُدار بمنطق فرض الإرادة خارج الإطار القانوني، ولا بتقويض منظومة القواعد التي وُضعت أساسًا لكبح هذا النوع من الانفلات.
مصدر القلق، إذن، لا يتعلّق بجوهر القضية الفنزويلية ولا بشرعية تطلعات شعبها، بل بالمسار الذي يُخشى أن يتحوّل إلى سابقة تتجاوز هذا السياق بعينه.
حين تُمنَح قوة كبرى لنفسها حقّ التصرّف خارج كل قيدٍ قانوني، فتقرّر من يُعاقَب ومن يُستثنى دون تفويض قضائي معترف به أو مسار إجرائي واضح، يصبح الخطر بنيويًا لا ظرفيًا، ويمسّ أسس النظام الدولي برمّته.
إن مبادئ السيادة، وعدم التدخّل، والمساواة القانونية، وضمانات الإجراءات العادلة ليست شعاراتٍ إنشائية، بل أدوات وُجدت لتفادي تكرار أسوأ فصول التاريخ.
وحين تُفرَّغ هذه المبادئ من مضمونها، لا يعود القانون مظلة حماية، بل يتحوّل إلى أداة انتقائية تُدار وفق موازين القوة لا وفق معيار العدالة.
لا يختلف اثنان على أن بقاء مادورو في السلطة لا يخدم مستقبل فنزويلا.
لكن إدراك صعوبة التغيير لا ينبغي أن يقود إلى أوهامٍ سهلة. فالحرية لا تُستورد، ولا تُبنى بقرارات فوقية، ولا شيء في التجربة المعاصرة يؤكد أن القوى الكبرى تتحرك بدافعٍ أخلاقي محض أو التزامٍ صادق بحقوق الشعوب.
الحذر هنا ليس تشاؤمًا، بل قراءة واقعية لمسار السياسة الدولية.
إن الدفاع عن القانون الدولي لا يُختبر حين يكون الثمن معدومًا، ولا حين تتوافق المبادئ مع المزاج العام، بل حين يصبح التمسك بها مكلفًا، وحين يُطلب من المنتقد أن يصمت باسم الألم أو الفرح.
فالقواعد التي لا تُحترم إلا حين تكون مريحة، لا تعود قواعد، بل ذرائع. وحين يُبرَّر خرقها مرةً، تصبح قابلة للتكرار بأدوات أقل نبلاً وذرائع أضعف.
لذلك، فإن إبداء التحفّظ هنا لا يُنكر معاناة أحد، ولا يُصادر حق شعبٍ في الأمل، بل ينطلق من إدراكٍ بسيط: أن عالمًا تُضبط فيه القوة بالقانون يظلّ، مهما كان ناقصًا، أقلّ ظلمًا من عالمٍ تُطلق فيه بلا قيد. وأن التخلي عن القواعد بدافع الغضب أو اليأس لا يُنهي المأساة، بل يوسّع دائرتها.
الدفاع عن القانون الدولي ليس إنكارًا لمعاناة الشعوب،
بل محاولةٌ جادّة لمنع تحويل تلك المعاناة إلى ذريعةٍ لتكرارها.
المهدي الصبار

