من التشريع إلى التحكيم الدستوري:
معركة حماية حرية الصحافة في ميزان الدستور
كتبها: د, كمال الهشومي
إن مبادرة مكوّنات المعارضة البرلمانية، إلى جانب النائبات والنواب غير المنتسبين، بتفعيل آلية الإحالة على المحكمة الدستورية بخصوص مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، تندرج في صميم الممارسة الدستورية السليمة، وتشكل فعلًا مؤسساتيًا محمودًا يعكس نضجًا ديمقراطيًا واحترامًا واعيًا لروح الدستور قبل نصه. فهذه الخطوة لا يمكن قراءتها خارج سياق السعي إلى صيانة مبدأ سمو الدستور، وضمان خضوع العمل التشريعي، خاصة في القضايا المرتبطة بالحريات، لرقابة دستورية دقيقة تَحُول دون أي انحراف تشريعي محتمل.
إن اللجوء إلى المحكمة الدستورية في هذا الملف لا يستهدف تعطيل المسار التشريعي، بقدر ما يروم تصويبه وضمان انسجامه مع المقتضيات الدستورية، وعلى رأسها تلك المتعلقة بحرية الصحافة والنشر، باعتبارها من الحريات الأساسية التي حظيت بعناية خاصة من طرف المشرّع الدستوري، سواء من خلال التنصيص عليها صراحة، أو من خلال تخصيص باب كامل للحقوق والحريات، وإسناد مهمة حمايتها وتأويلها للمحكمة الدستورية باعتبارها الحارس الأمين للدستور.
كما أن هذه المبادرة تعكس وعيًا سياسيًا وقانونيًا بخطورة المساس باستقلالية مهنة الصحافة وبمبدأ التنظيم الذاتي، وتؤكد أن أي تشريع يمس هذا المجال الحساس يجب أن يُبنى على منطق التوافق، واحترام المعايير الديمقراطية والحقوقية، والالتزام بالمرجعيات الدستورية والمواثيق الدولية ذات الصلة بحرية التعبير. وهو ما يبرر، من منظور دستوري، إخضاع هذا النص لرقابة المحكمة الدستورية، خاصة في ظل ما أثير حوله من نقاشات واسعة وانتقادات صادرة عن الفاعلين السياسيين والمهنيين والحقوقيين. هو
ويأتي هذا الموقف امتدادًا لترافع علمي وحقوقي سابق حول هذا المشروع، عبّرتُ عنه في مقالات تحليلية منشورة، نبهت فيها إلى ما ينطوي عليه النص من تجاوزات تمس جوهر الحرية الصحفية، وتؤسس لمنطق تشريعي يتعارض مع الأعراف الديمقراطية وأسس حرية التعبير والنشر(نشر المقالين في جريدة الاتحاد الاشتراكي).
ومن ثم، فإن إحالة هذا القانون على المحكمة الدستورية تمثل اليوم لحظة دستورية بامتياز، يُفترض أن تُستثمر لتعزيز دولة القانون، وحماية المكتسبات الحقوقية، وترسيخ ثقافة الاحتكام إلى الدستور كمرجعية عليا لا يجوز الالتفاف عليها تحت أي مبرر.
