العنصرية المفترى عليها
كتبها: جواد شفيق
عندما تتعرض في عقر دارك ، و ممن أحسنت وفادتهم و إكرامهم ، إلى سرقة hold-up، شيء ما ، و مابالك بفرحة كبرى كنت قاب قوسين أو أدنى منها ، فإنه من الطبيعي و العادي و البشري جدا ، أن تغضب و تنتفض مدينا و محتجا و مستنكرا ما وقع لك ، بكل ما في قواميس و نواميس الدنيا من مفردات الشجب و الإدانة اتجاه صاحب الفعلة الدنيئة التي كنت ضحيتها ، سواء كان فردا تصرف من تلقاء حقده و حسده و أنانيته ، أو تصرف ضمن منظومة تآمر مكتملة الأركان تخطيطا و تنفيذا.
رد الفعل الطبيعي و البشري هذا ، ينطبق و يسري على الفرد ، كما المجموعات و الشعوب و الأوطان عند كل إحساس بالغدر و الخذلان خصوصا من من المفترض فيهم أنهم “عشران” و خلان، اللهم إذا كان الفرد أو الشعب المطعون “ما فيه نفس” .
و لأننا نحن المغاربة ، نفسنا حرة ، على قدر كرمها و جودها و سخاءها ، و لأننا أمة “إذا عرضت أشبعت و إذا ضربت أوجعت” فقد كان من صميم جيناتنا ، بعدما تعرضنا له ليلة الأحد الأسود الماضي من طعن غادر جبان ، أن نغضب و نثور ، و نعبر عن ذلك بكل العبارات و المفردات .
أي نعم ، لقد كانت مجرد مباراة في كرة القدم ، و هكذا تعاملنا معها بحماسة لم تتجاوز قط مساحة و ساحة المنافسة الرياضية، ولكن ما سبقها و ما جرى خلالها ، من لارياضة ، أبرز بجلاء بأن خصومنا ، و حسادنا كان لهم رأي آخر ” “فإما أن ننتصر أو ننتصر و إما فلتريب هذه الحفلة” .
في السينغال كانت جاليتنا تحت التهديد .
في دولة الكابرانات كانت التعبئة المضادة و التحريض على أشدهما.
في أم الدنيا كان الإعلام ينفث سمومه .
في موريتانيا و حتى في فلسطين كانت الأكف مرفوعة متضرعة كي نمنى بالهزيمة .
و كانت الاستعدادات جارية للاحتفال ليس بانتصار و لكن بهزيمة .
هزيمة مغرب جريرته أنه رفع سقف التحديات ، بنية و تجهيزا و تنظيما ….و قلبا و حضنا كبيرا للإخوة و الأشقاء العرب و الأفارقة.
و هنا بالرباط ، بملعب مولاي عبد الله ،حيث جرت المباراة ، كانت فصول أخرى من الغدر و الحقد و الحسد تكتب ، توجت بانسحاب مخدوم للفريق الخصم ، وبهيجان كوموندوهات المشجعين ( من تابع الأسلوب العنيف جدا و الاحترافي الذي استهدف به العراة السينغاليون المنظمين و رجال الأمن المغاربة سيوقن بأننا كنا إزاء أشخاص مدربين ، و ليس مجرد مشجعين )
لتنتهي المباراة إلى ما انتهت إليه.
و في انتظار أن يكشف التاريخ التفاصيل الحقيقية لما وقع ، كرويا ، سياسيا و ديبلوماسيا ، في انتظار ذلك ، فقد خلفت تلك الليلة في النفوس غصة و في الحناجر مرارة و في القلوب غمة ، خاصة بعدما تابعنا الاحتفالات المخدومة التي جرت هنا و هناك ،من الجوار الخبيث إلى الشرق البعيد ، جراء “هزيمتنا المشرفة” .
هل كان على المغاربة أن “يكمدوها” و يسكتوا ؟
طبعا لا.
لقد اعتدي على حرمتنا و مقدساتنا و رموزنا و رجال أمننا، طيلة أطوار “الكان” و كملت الباهية عند مباراة الاختتام.
و قد تشارك في العدوان ، الخصوم التقليديون ، و من كنا نعتبرهم خلان.
و لذلك ، انفجرت تعبيراتنا الغاضبة ، بلا حدود .
هل تكلمنا عن الهمج من مشجعي السينغال لأنهم سود ؟
لا ، أبدا.
هل نددنا بسلوك مدربهم لأنه أسود البشرة ؟
لا ، نهائيا.
هل مدربا مصر و جنوب إفريقيا أسودا البشرة حتى ينعت غضبنا اتجاه ما اقترفاه و فاها به على أنه عنصرية ؟
لا ، و ألف لا ؟
هل مطالبتنا دولتنا بوقف حفلات و حملات الفشوش إزاء من لا يستحقها عنصرية؟
نهائيا.
هل قولنا بأن المغرب ليس فندق أو ملجأ استراحة لكل من هب و دب ، عنصرية؟
لا ثم لا .
من العنصري ، الذي يلعب دور الضحية ، السينغالي الذي اعتدى على طلبة مغاربة بالجامعة الأورومتوسطية بفاس ، أم الطالب المغربي الذي كان ضحية بعقر داره ؟
هل دخلنا الملاعب بعلب الموز لنرميها على اللاعبين السود كما يفعل عتاة العنصريين بملاعب غير ملاعبنا ، أم احتضنا هؤلاء بما يليق من fair-play؟
أينا العنصري الحقيقي ، المغربي الذي احتضن المشجع الجزائري و استضافه و أطعمه ،أم الجزائري الذي صور و هو يحتفل مغربيا كقرد يرمي له بقشور البانان ؟
هذه أسئلة، و غيرها كثير جدا ، موجهة لبعض إخوتنا وأصدقائنا ، الذين جاءتهم النفس على الإنسية و حقوق الإنسان و المساواة و الحق في الهجرة …و استكبروا في المغاربة حقهم في الغضب و في التعبير عن غضبهم.
لقد غضبنا وثرنا في وجه سارقي فرحتنا ليس لأنهم سود أو غير ذلك من التصنيفات العرقية أو الإثنية أو الدينية أو الجغرافية ، بل لأنهم بشر تنعدم فيهم كل شروط المروءة ، و لم يراعوا حسن ضيافتنا ، و لأنهم بشر تنعدم فيهم كل شروط التمدن و التحضر ، و لم يراعوا أننا كأفارقة مثلهم ، عانينا ما عانوه من ويلات الاستعمار ، و أردنا برفع سقف التجهيز و التنظيم و الاستقبال و الأمن عاليا أن نجرهم معنا إلى الأعلى و لكنهم استحلوا القعر…
هي إذن ليست عنصرية ، و ما كان لها أن تكون كذلك .
هي وطنية مغربية خالصة.
لقد سرقوا فرحتنا ، فرجاء لا تسيؤوا تأويل غضبنا.
جواد شفيق _ الرباط في 22 يناير 2026
