الاستغلال الأحادي لغار جبيلات..
كتبها: الإعلامي أحمد الدافري
حين تلغي الجزائر اتفاقيتها مع المغرب وتفتح بيديها ملف الصحراء الشرقية المغربية وتدفع المغرب للمطالبة بأرضها المسلوبة…
اتفاقية يونيو 1972 التي وقعها الملك الراحل الحسن الثاني مع الرئيس الهواري بومدين، حول استخراج معدن الحديد من منجم غار جبيلات، كانت في جوهرها تفاهما استراتيجيا كبيرا وعقداً سيادياً يربط بشكل عضوي وغير قابل للتجزئة بين ترسيم الحدود وبين الحق في استغلال ثروة المنجم.
لقد قدم المغرب حينها تنازلا تاريخيا بقبوله بحدود فرضها الواقع الاستعماري، لا لشيء إلا مقابل شراكة أبدية ومنصفة في ثروات تلك الأرض التي تضرب جذورها في التاريخ المغربي.
واليوم، حين تندفع الجزائر نحو استغلال هذا المنجم بشكل أحادي وضخ مليارات الدولارات في بنية تحتية للشروع في هذا الاستغلال بمشاركة أطراف دولية، فهي تخرق بنداً تقنياً في الاتفاقية فحسب، وتضرب الأصل التجاري الذي منحه المغرب لها بموجب اعترافه بتلك الحدود، مما يجعل المعاهدة برمتها في مهب الريح قانوناً وسيادة.
إن هذا الخرق السافر في تنفيذ المعاهدات الدولية يمنح المملكة المغربية اليوم كامل الحق المشروع في إعلان بطلان الالتزام بالحدود، ما دام الطرف الآخر قد تنصل من الثمن المتفق عليه.
فالحقيقة التاريخية الموثقة تؤكد أن مناطق تندوف، وبشار، والقنادسة، لم تكن يوماً جزائرية قبل توغل الاستعمار الفرنسي، بل كانت أراضٍ مغربية تخضع لسلطة السلاطين المغاربة عبر روابط البيعة التي شهد بها التاريخ والقانون الدولي.
فمنطقة تندوف مثلاً، كانت مركزا تجاريا وروحياً مغربيا، وظلت الساكنة المحلية فيها رفع الدعاء للسلطان المغربي في خطب الجمعة وتؤدي الزكاة لبيت مال المسلمين في فاس ومراكش حتى أواخر القرن التاسع عشر.
كما أن الوثائق الفرنسية نفسها، المودعة في الأرشيفات العسكرية، تقر بأن هذه الأراضي تم اقتطاعها تدريجيا وإلحاقها بالجزائر الفرنسية لإضعاف الإمبراطورية الشريفة وتوسيع رقعة المستعمرة، وهو ما يجعل السيادة الحالية عليها سيادة موروثة عن استعمار غاشم وليست نابعة من حق تاريخي أصيل.
وعليه، فإن الرسالة الموجهة اليوم للمستثمر الأجنبي قبل غيره، هي أن أي درهم يُضخ في هذا المنجم هو استثمار في منطقة نزاع سيادي مؤجل.
ففي العرف القانوني الدولي، حين تسقط الشراكة في غار جبيلات، يسقط معها تلقائياً مبرر التنازل المغربي عن أراضيه الشرقية.
إن المغرب اليوم يقف على أرضية صلبة ليقول للعالم إن الصحراء الشرقية لم تعد ملفاً مغلقاً، بل هي حقوق تاريخية مسلوبة تم استخدامها عبون ثقة في معاهدة تم الغدر بها. إن أي استغلال لغار جبيلات هو سطو على حقوق أمة رفضت المقايضة بالسيادة، والتاريخ لا يرحم من يظن أن القوة المادية يمكن أن تمحو الحقوق الجيوسياسية الموثقة بالدم والبيعة.
ومن يخون العهد ويخالف المعاهدات عليه أن يكون مستعدا لأداء الثمن.
وهذا ما كان
