دينامية الماء في المغرب بين هدر الثروة وضرورة الربط الذكي بين السدود

دينامية الماء في المغرب بين هدر الثروة وضرورة الربط الذكي بين السدود وخلق قنوات تصريف مياه الامطار والفياضنات والربط بين الاحواض المائيه طرق سيار الماء
إعداد بدر شاشا
الماء في المغرب لم يعد مجرد مورد طبيعي عادي، بل أصبح قضية وجود، وقضية سيادة، وقضية مستقبل أجيال كاملة. كل قطرة تضيع اليوم هي سؤال مؤجل للغد، وكل تأخر في التدبير هو ثمن سيدفعه الوطن مضاعفًا.
ورغم كل المجهودات المبذولة وبناء عشرات السدود عبر مختلف الجهات، ما زال الخلل واضحًا، ليس في قلة المياه فقط، بل في طريقة التفكير والتدبير وربط الموارد ببعضها البعض.
غير المعقول أن نرى سدودًا ممتلئة إلى مستويات مقلقة، تضطر أحيانًا إلى تفريغ مياهها نحو الأودية ثم إلى البحر، وفي المقابل سدودًا أخرى تعاني العطش، وحقولًا تصفر، وقرى تعيش تحت ضغط الخصاص المائي. هذا التناقض الصارخ يطرح سؤالًا بسيطًا وعميقًا في آن واحد: لماذا لا يتم ربط السدود ببعضها البعض؟ ولماذا لا تتحول وفرة الماء في جهة ما إلى حل حقيقي لجهة أخرى؟
الربط بين السدود لم يعد فكرة خيالية ولا مشروعًا مستحيلًا.
العالم اليوم يتحدث عن “طرق سيار للماء”، شبكات ذكية لنقل الموارد المائية من مناطق الوفرة إلى مناطق الخصاص، باستعمال قنوات ضخمة، أنابيب تحت الأرض، ومحطات ضخ تعتمد على الطاقات المتجددة.
المغرب، بما يتوفر عليه من خبرة في الهندسة والبنيات التحتية، قادر أكثر من أي وقت مضى على إنجاز هذا التحول، إذا توفرت الإرادة والرؤية الشاملة.
المياه التي تفرغ من السدود الممتلئة نحو البحر هي خسارة وطنية صامتة.
البحر لا يحتاج مياهًا عذبة، بينما الفلاحة، الشرب، الصناعة، والبيئة في أمسّ الحاجة إليها.
تحويل جزء بسيط من هذه المياه نحو سدود تعاني الخصاص كفيل بإحداث توازن مائي حقيقي، ويخفف الضغط على الفرشات المائية التي تُستنزف بشكل مقلق، خاصة في المناطق الداخلية.
الأمطار بدورها تشكل كنزًا آخر يُهدر سنويًا. في كل موسم مطري، نشاهد السيول تجتاح الطرقات، الأودية، المدن، ثم تنتهي رحلتها في البحر.
بدل أن تكون نعمة مخزنة، تتحول إلى خطر أو إلى ضياع. هنا تظهر ضرورة خلق قنوات تصريف ذكية لمياه الأمطار، موجهة مباشرة نحو السدود، أو نحو أحواض تخزين مؤقتة، أو حتى نحو تغذية الفرشات المائية بشكل مدروس. تدبير مياه الأمطار يجب أن يصبح سياسة عمومية، لا مجرد تدخلات ظرفية بعد الكوارث.
الدينامية المائية التي يحتاجها المغرب اليوم ليست فقط تقنية، بل فكرية ومؤسساتية. نحتاج إلى تدبير موحد، رؤية وطنية تعتبر الماء ثروة استراتيجية لا تقل أهمية عن الطاقة أو الأمن الغذائي.
نحتاج إلى تنسيق حقيقي بين الجهات، بين السدود، بين المدن والقرى، بين الفلاحة والصناعة والاستهلاك المنزلي. الماء لا يعرف الحدود الإدارية، فلماذا ما زال تدبيره حبيس هذه الحدود؟
الاستثمار في الربط المائي هو استثمار في الاستقرار الاجتماعي.
الفلاح الذي يجد الماء لن يهاجر، والمدينة التي تتوفر على موارد مائية آمنة ستجذب الاستثمار، والبلد الذي يحسن تدبير مائه سيصمد أمام التقلبات المناخية القادمة لا محالة. التغير المناخي ليس تهديدًا مستقبليًا، بل واقع نعيشه اليوم، والجفاف لم يعد استثناء بل أصبح قاعدة متكررة.
المغرب راكم تجربة مهمة في بناء السدود، لكنه اليوم مطالب بالانتقال من منطق التخزين إلى منطق التدبير الذكي والتوزيع العادل.
السد لم يعد نهاية الحل، بل بدايته. ما بعد السد هو الأهم: كيف نُصرّف الماء؟ كيف نربطه؟ كيف نمنع ضياعه؟ كيف نضمن استمراريته؟
خلق “طرق سيار للماء” بين السدود، توجيه مياه الأمطار بدل تركها تضيع، حماية الموارد من التلوث، واستعمال التكنولوجيا الحديثة في المراقبة والتوزيع، كلها عناصر يجب أن تدخل في قلب السياسة المائية الوطنية.
بدون هذا التحول، سنبقى ندور في نفس الحلقة، نعدّ السدود ونحصي الأمطار، بينما العطش يتقدم بصمت.
الماء ليس أزمة تقنية فقط، بل اختبار حقيقي لذكاء التدبير، لصدق التخطيط، ولقدرة الوطن على استباق المستقبل. والمغرب يملك كل المؤهلات ليكون نموذجًا في تدبير الموارد المائية، إذا تحولت الأفكار إلى قرارات، والقرارات إلى مشاريع، والمشاريع إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية.
الماء أمانة، وضياعه خيانة صامتة للمستقبل.
والربط بين السدود، وحسن تدبير مياه الأمطار، ليس ترفًا ولا خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وطنية عاجلة، لأن الأوطان لا تُقاس فقط بما تملك من موارد، بل بكيفية حمايتها وتوزيعها بعدل وحكمة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*