وزارة ساعة..!!

وزارة ساعة..!!!

سياسي: رشيد لمسلم

في بلد يرفع شعار إصلاح الإدارة وتحديثها، منذ زمان،  ما زالت بعض البلاغات الرسمية تُذكّر المواطن بأننا نعيش مع إدارة تشتغل… بعقارب متعثّرة.

آخر هذه المفارقات ما صدر عن “وزارة الساعة” – إن صحّ التعبير – في بلاغين متتاليين، كلاهما باسم شهر رمضان، وكلاهما يعكس ارتباكا إداريا أكثر مما يعكس حكامة زمنية.

الوزارة تخبرنا، مشكورة، أنه بمناسبة حلول شهر رمضان سيتم الرجوع إلى الساعة القانونية للمملكة (توقيت غرينيتش)، وذلك عند الساعة الثالثة صباحا من يوم الأحد 15 فبراير الجاري.

بلاغ تقني، قد يبدو عاديا، لولا أنه يعلن عن قرار يهم حياة ملايين المواطنين، بصيغة جافة، وفي توقيت ليلي، وكأن الزمن شأن ثانوي لا يستحق الوضوح ولا النقاش.

ثم تعود الوزارة نفسها لتخبرنا، وبالمناسبة نفسها: شهر رمضان، عن اعتماد توقيت مسترسل للعمل بالإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية من التاسعة صباحا إلى الثالثة بعد الزوال.

بلاغ ثان، موضوعه مختلف، لكن مرجعيته واحدة، ومنطقه واحد: قرارات مجزأة، وتواصل بلا انسجام.

هنا يطرح المواطن سؤالا بسيطا، لكنه مشروع:

هل نحن أمام إدارة تُدبر الزمن، أم زمن يدبر الإدارة؟

فالساعة ليست مجرد عقارب تتحرك، بل هي تنظيم للحياة العامة: مواعيد العمل، النقل، الدراسة، الخدمات، والإنتاج. وعندما تتحول الساعة إلى قرار موسمي، مرتبط بالمناسبات ، دون رؤية شاملة أو تواصل ذكي، فإننا لا ندبر الزمن، بل نربكه.

الأغرب أن هذه البلاغات تصدر في وقت تتحدث فيه الدولة عن رقمنة الإدارة، وتبسيط المساطر، وتحسين العلاقة مع المواطن.

فكيف نُقنع المواطن بإدارة رقمية، وهو يتلقى قرارات الزمن بأسلوب يعود لعقود مضت؟

وكيف نفهم الرقمنة، إذا كان الإعلان عن تغيير الساعة ما يزال يحتاج إلى بلاغات متفرقة، بدل منصة موحدة، تواصل استباقي، وتفسير واضح؟

لسنا ضد تغيير التوقيت، ولا ضد التوقيت المسترسل في رمضان، بل العكس: هي إجراءات لها مبرراتها الاجتماعية والدينية.

لكن الإشكال ليس في القرار، بل في طريقة اتخاذه وتقديمه، رغم تقنينه بقوانيين..

الإشكال في غياب تصور متكامل، وفي التعامل مع الزمن كأنه تفصيل إداري، لا عنصرا أساسيا في تنظيم الدولة.

باختصار، لسنا في حاجة إلى وزارة تخبرنا بالساعة، بل إلى إدارة تفهم قيمة الوقت، وتحترم ذكاء المواطن، وتدبر الزمن بعقلية الإصلاح لا بعقلية البلاغ.

إلى أن يتحقق ذلك، ستبقى “وزارة الساعة” تضبط العقارب… بينما الزمن الحقيقي للإصلاح ما زال متوقفا.

لعفو

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*