بن صابر… حين يصير التمريض قدَرًا، ويغدو الصمت بطولة..

بورتريه بنحمو زياد بن صابر،

بن صابر… حين يصير التمريض قدَرًا، ويغدو الصمت بطولة..

كتبها : أحمد رحمون 

في المساحات المنسية من الذاكرة الجماعية، حيث لا تُدوَّن البطولات في السجلات الرسمية، ولا تُقام النُّصب لمن أنقذوا الأرواح بصمت، عاش رجلٌ اختار أن يكون أثره في الأجساد لا في الخطب، وفي القلوب لا في العناوين.

اسمه بنحمو زياد، لكن الناس عرفوه باسمٍ أبسط وأصدق: بن صابر.

لم يكن بطلاً كما تُصوّره المنابر، بل كما تصنعه التفاصيل: ضمادة تُشدّ بإتقان، جرح يُنظَّف بصبر، كلمة طمأنينة تُقال في اللحظة المناسبة، ونظرة إنسانية تُعيد للمريض ثقته بالحياة.

وُلد سنة 1945 بدوار أيت علي، قبيلة أولاد دحو، بجماعة الغوالم، في صيبارة، أرض قاسية تُنبت رجالًا من معدن الصبر.

هناك تعلّم منذ الصغر أن الصمت ليس ضعفًا، وأن خدمة الناس شرف لا يحتاج إلى إعلان.

خطا أولى خطواته في التعليم بالمدرسة الكاثوليكية Saint Michel بمرشوش، حيث لم تكن الدراسة مجرد دروس، بل بوابة لمسارٍ سيغدو لاحقًا سيرة حياة.

اشتغل مبكرًا عاملًا بالمستوصف القروي لصيبارة، فلفت انتباه المعمّر الفرنسي نيكولا گوان، مؤسس المستوصف، الذي لمس فيه ذكاءً فطريًا وانضباطًا نادرًا.

لم يتردد في إرساله سنة 1963 إلى كلية الطب الحرة بمدينة ليل، التابعة لجامعة ليل الكاثوليكية بفرنسا.

هناك، لم يكن طالبًا عابرًا. تابع بانتظام دروس التكوين الطبي والتمهيد العلمي، شارك في الأعمال التطبيقية، وخضع للاختبارات الشفوية والامتحانات النظامية، إلى أن نال بتاريخ فاتح ماي 1963 دبلومًا في التدريب الطبي، عن جدارة واستحقاق.

عاد إلى المغرب، لا محمّلًا بالوثائق فقط، بل بروحٍ اختارت أن تهب نفسها للناس.

اشتغل بالمستوصف القروي Saint Roche بصيبارة من 1963 إلى فاتح يوليوز 1970، إلى جانب أطباء من جنسيات وتجارب مختلفة، شهدوا جميعًا بكفاءته وتفانيه. كان المستوصف آنذاك قبلة لقبائل بأكملها: زعير، الشاوية، السماعلة، ورديغة، زيان…

ما بين 300 و340 مريضًا يوميًا، وأمراض تنهش الأجساد بصمت: الملاريا، السل، الزهري، التراخوما، أمراض الجهاز الهضمي.

وسط هذا الضغط الهائل، ظل بن صابر ثابتًا كحارسٍ قديم. يُعقّم الجروح، يبدّل الضمادات، يراقب الالتهابات، يقيس الحرارة، ويشرح بلغة بسيطة معنى النظافة والوقاية. لم يكن عمله تقنيًا فقط، بل إنسانيًا بامتياز؛ كان يرى في كل مريض قصة، لا حالة.

بداية سنة 1964، أُرسل لفترة إلى المستشفى الكاثوليكي بمكناس، ثم إلى مركز لقباب، قبل أن يُعاد إلحاقه بمستوصف صيبارة بإلحاح من طبيبه الرئيسي، لأن المكان لم يكن يحتمل غيابه.

وشهادات التفاني كثيرة، لعل أبرزها شهادة رهبان الفرنسيسكان، التي وصفت عمله بالأمانة والجدية، وكفاءته الطبية، ولطفه في التعامل مع المرضى، ومهارته في تدبير الشؤون المادية، مؤكدة أنه يستحق مكانة مميزة أينما أُسندت إليه مسؤولية.

في يونيو 1970، بدا أن حلمًا صغيرًا سيتحقق: حرر كبير الرهبان الفرنسيين بالمغرب عقدا عبارة عن وعد ببيع ملك “ستيلا ماريس”، وهو مجموع أرض المستوصف، لفائدة بن صابر. غير أن انشغاله اليومي بالعمل، ثم صدور ظهير 2 مارس 1973 المتعلق باسترجاع الأراضي من المعمرين الأجانب، جعلا الحلم يتبخر، رغم مراسلاته المتعددة للجهات المعنية. خاب الأمل، لكن العزيمة لم تنكسر.

سنة 1978، انضم إلى جمعية الهلال الأحمر المغربي، لتتسع دائرة عطائه. كُلّف بالأسواق الأسبوعية بدائرة الرماني: مرشوش، الغوالم، الزحيليگة، عين السبيت، مولاي إدريس أغبال. هناك، وسط الغبار والضجيج، نزل الطب من برجه العاجي، وصار قريبًا من الناس.

أُضيفت إلى مهامه عملية ختان الصبيان، فارتبط اسمه بأولى ذكريات الطفولة لدى أجيال كاملة.

بين 1991 و1992، حمله الواجب إلى الجنوب، إلى مخيمات الصحراويين المغاربة للتسجيل في لوائح المينورسو استعدادا للإستفتاء الذي كان مقررا حول الصحراء المغربية : العيون، بوجدور، الداخلة، السمارة.

من فاتح نونبر 1991 إلى أواخر سنة 1992، قدّم تدخلاته الطبية لما يقارب 3800 مستفيدة ومستفيدا. أرقام كبيرة، لكن الأهم هو ما لا يُحصى: وجوه استعادت عافيتها، وأجساد قاومت، وأمل لم ينطفئ.

عاد بعدها إلى أكادير ثم الخميسات، وعاد معه ما لم يفارقه يومًا: التفاني.

إلى اليوم، لا يزال بن صابر يزاول مهنته بحيوية تدهش من يعرفه.

ذاكرته صافية، حضوره هادئ، وخطاه واثقة كأن الزمن احترم اختياره. يحمل دبلومات وشواهد تقديرية، لكن شهادته الأصدق هي سمعته الواسعة بين قبائل زعير والمناطق المجاورة.

إنسان طيب، مهذب، قليل الكلام، عظيم الأثر.

رجلٌ لم يطلب من الحياة أكثر من فرصة ليخدم الناس…

فأعطاها قلبه، وأعطته مكانة لا تُشترى:

مكانة من مرّ من هنا… وترك أثرًا لا يُمحى.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*