كتبها : فيصل العراقي
في المغرب، لا يمكن إنكار قوة ثقافة الإحسان في المجتمع. في كل حي تقريبًا نجد من يجمع التبرعات لمريض، أو يساعد أسرة في ضائقة، أو يساهم في مبادرات تضامنية مختلفة.
هذه الروح ليست ظاهرة عابرة، بل جزء عميق من القيم التي تربى عليها المجتمع المغربي عبر عقود.
فعندما تظهر قصة إنسانية مؤثرة أو تقع أزمة اجتماعية، يتحرك الناس بسرعة للمساعدة.
وهذا جانب جميل يعكس ضميرًا اجتماعيًا حيًا لا يزال حاضرًا رغم كل التحولات.
لكن رغم هذا الكرم الواسع، يبقى سؤال بسيط ومقلق في الوقت نفسه: إذا كان المجتمع مليئًا بالمحسنين، فلماذا لا يزال الفقر موجودًا في العديد من المناطق؟
المشكلة ربما ليست في غياب الإحسان، بل في الطريقة التي يعمل بها.
فغالبًا ما تتحرك المبادرات الخيرية بمنطق رد الفعل.
عندما يظهر مريض يحتاج إلى علاج نجمع التبرعات، وعندما تعاني أسرة من الفقر نقدم لها المساعدة.
هذه المبادرات تخفف المعاناة وتساعد الناس على تجاوز أزمات صعبة، لكنها غالبًا تعالج النتائج أكثر مما تعالج الأسباب.
بعبارة أخرى، نحن نساعد الناس على تجاوز أزمة معينة، لكننا نادرًا ما نسأل: كيف يمكن أن لا تتكرر هذه الأزمة أصلًا؟
في النقاشات الحديثة حول الابتكار الاجتماعي والعمل الخيري الاستراتيجي، بدأ يظهر اتجاه مختلف في التفكير. الفكرة ليست فقط مساعدة الفقراء، بل العمل على تقليل عدد الفقراء في المجتمع. هذا يتطلب فهمًا أعمق للمشكلة، وتحديد أهداف واضحة، وتصميم حلول يمكن أن تعمل على نطاق واسع وتستمر مع الزمن.
المغرب لا ينقصه المحسنون. بل ربما يملك ثروة اجتماعية حقيقية تتمثل في ثقافة التضامن المتجذرة في المجتمع. لكن هذه الثروة تبقى في كثير من الأحيان مبادرات متفرقة وغير مرتبطة برؤية تنموية طويلة المدى، كما أن التنسيق بين الجهود المختلفة ما يزال محدودًا.
هنا يظهر دور عنصر أساسي لا يمكن تجاهله: السياسات العمومية. فالتجارب الدولية التي نجحت في تحقيق تغييرات اجتماعية كبيرة لم تعتمد فقط على العمل الخيري، بل على تعاون بين المجتمع المدني والحكومات. لأن الحكومات هي الجهة القادرة على تحويل الحلول الناجحة إلى سياسات وبرامج وطنية تصل إلى ملايين الناس.
في هذا السياق، يمكن للمغرب أن ينتقل من رؤية تعتبر الإحسان نشاطًا موازيًا للسياسات الاجتماعية، إلى رؤية تعتبره جزءًا من منظومة التنمية.
فتنظيم الجهود، وتوجيه التبرعات نحو التعليم والصحة والمبادرات الاقتصادية، وقياس الأثر الاجتماعي للمشاريع يمكن أن يجعل العمل الخيري أكثر تأثيرًا واستدامة.
ربما حان الوقت لطرح سؤال مختلف: ليس فقط كيف نساعد الفقراء؟ بل كيف نبني نظامًا يجعل عدد الفقراء أقل؟
المغرب بلد المحسنين، وهذه قوة أخلاقية كبيرة.
لكن عندما يلتقي الكرم الشعبي مع رؤية استراتيجية وسياسات عمومية ذكية، يمكن أن يتحول التضامن الاجتماعي من رد فعل إنساني جميل إلى قوة حقيقية قادرة على تغيير الواقع.
✍️ فيصل العراقي
استراتيجي في الابتكار والأثر الاجتماعي
