الانتخابات المقبلة في المغرب: بين ضغط الغلاء ورهان الوعي الجماعي
سياسي: رشيد لمسلم
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في المغرب التي لم تعد تفصلنا عنها سوى أشهر قليلة من عمر هذه السنة 2026، يتصاعد النقاش العمومي حول طبيعة الاختيارات التي سيُقدم عليها الناخب المغربي، في سياق اقتصادي يتسم بارتفاع ملحوظ في تكاليف المعيشة وتزايد الضغوط الاجتماعية.
فهل سيدفع الغلاء المواطنين إلى التصويت بدافع الاحتجاج، أم أن منطق العقل سيغلب في إفراز نخب قادرة على قيادة مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد؟
الغلاء كعامل مؤثر في السلوك الانتخابي
لا يختلف اثنان على أن موجة الغلاء التي شهدها المغرب، شأنه شأن العديد من دول العالم، كان لها وقع مباشر على الحياة اليومية للمواطنين.
وقد تأثرت القدرة الشرائية بفعل ارتفاع أسعار المواد الأساسية، في سياق دولي متأزم منذ جائحة كوفيد-19، وتداعيات الحرب في أوكرانيا.
هذا الوضع يضع الأحزاب السياسية أمام اختبار حقيقي، إذ لم يعد الخطاب الانتخابي كافيًا ما لم يكن مدعومًا ببرامج واقعية وقابلة للتنفيذ، تستجيب لانشغالات المواطنين وتقدم حلولًا ملموسة.
بين التصويت العقابي والتصويت العقلاني
تاريخيًا، غالبًا ما تؤثر الأوضاع الاقتصادية الصعبة على توجهات الناخبين، حيث يميل البعض إلى معاقبة الأحزاب التي تتحمل مسؤولية التدبير الحكومي.
غير أن هذا السلوك، رغم مشروعيته، قد لا يكون كافيًا لإحداث التغيير المنشود إذا لم يُواكب بوعي سياسي يفرز كفاءات حقيقية.
في المقابل، يبرز رهان “التصويت العقلاني” الذي يقوم على تقييم البرامج والمرشحين بناءً على الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز، بعيدًا عن الاعتبارات الضيقة أو الوعود الشعبوية.
أزمة ثقة أم فرصة للتجديد؟
تعاني الساحة السياسية في المغرب من تحديات مرتبطة بثقة المواطنين في العمل الحزبي، وهو ما ينعكس في نسب المشاركة الانتخابية.
غير أن هذا الوضع قد يتحول إلى فرصة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية، عبر بروز نخب جديدة تحمل رؤى مبتكرة وتتمتع بالمصداقية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تأطير الشباب وتحفيزهم على الانخراط في الحياة السياسية، باعتبارهم قوة اقتراحية قادرة على الدفع نحو التغيير.
نحو مغرب أكثر عدالة وديمقراطية
إن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تغيير الوجوه، بل في إرساء ثقافة سياسية جديدة تقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الشفافية، وتكريس العدالة الاجتماعية. وهي أهداف تنسجم مع التوجهات الكبرى التي يقودها الملك محمد السادس، خاصة في ما يتعلق بتعزيز الحماية الاجتماعية وتقليص الفوارق.
لحظة اختيار حاسمة
في نهاية المطاف، تبقى الانتخابات لحظة حاسمة في مسار أي ديمقراطية.
وفي ظل التحديات الراهنة، يجد المواطن المغربي نفسه أمام مسؤولية تاريخية: إما تكريس نفس الاختيارات، أو المساهمة في إفراز نخب جديدة قادرة على بناء مغرب أكثر إنصافًا وتوازنًا.
فهل سينتصر منطق العقل على منطق الغضب؟ أم أن صناديق الاقتراع ستعكس حجم الاحتقان الاجتماعي؟
الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن وعي الناخب يظل العامل الحاسم في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
