انتخابات بدون ذاكرة: لماذا ننسى سريعا؟

انتخابات بدون ذاكرة: لماذا ننسى سريعا؟

سياسي: رشيد لمسلم

مع كل استحقاق انتخابي، يتكرر المشهد ذاته تقريبا: وعود جديدة، خطابات متجددة، ونقاشات محتدمة تعيد ترتيب الأولويات في وعي الناخبين.

غير أن ما يثير الانتباه ليس فقط ما يُقال خلال الحملة، بل ما ينسى بعدها.

فبين دورة انتخابية وأخرى، يبدو وكأن الذاكرة الجماعية تعاد صياغتها، أو تُمحى جزئيًا، لتفسح المجال لخطاب جديد لا يُحاسَب بالقدر الكافي على ما سبقه.

هذا النسيان ليس عرضيا بالكامل، بل يحمل في طياته دلالات أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الناخب والسياسة. فوعود الأمس، مهما كانت واضحة، تفقد حضورها تدريجيا أمام إيقاع الحياة اليومية وضغط الأولويات المعيشية.

ومع مرور الوقت، تتحول البرامج الانتخابية إلى مجرد لحظات عابرة، لا تستقر طويلا في الوعي العام، ولا تستحضر بقوة عند لحظة الاختيار من جديد.

في المقابل، يُتقن الفاعلون السياسيون إعادة تقديم أنفسهم بلغة متجددة، غالبًا ما تركز على المستقبل بدل الماضي. تُصاغ الخطابات بعناية لتُبرز ما يمكن تحقيقه، أكثر مما تراجع ما لم يتحقق.

وهنا، يجد الناخب نفسه أمام عرض جديد، يبدو في ظاهره منفصلًا عن التجارب السابقة، خاصة في غياب أدوات فعالة لتتبع الالتزامات ومقارنتها بالنتائج.

تلعب وسائل التواصل الحديثة دورا مزدوجا في هذا السياق.

فمن جهة، توفر إمكانية غير مسبوقة لتوثيق المواقف والتصريحات، ومن جهة أخرى، تساهم في تسريع دورة النسيان نفسها.

فوفرة المعلومات لا تعني بالضرورة ترسيخها، بل قد تؤدي إلى تشتتها، حيث يطغى الجديد على القديم، ويصبح الحدث الآني أكثر تأثيرا من التراكم الطويل.

كما أن الثقافة السياسية السائدة تؤثر بدورها في هذه الظاهرة.

ففي غياب تقاليد راسخة للمساءلة الانتخابية المبنية على تقييم الأداء، يتحول التصويت أحيانا إلى رد فعل ظرفي، تحكمه اعتبارات آنية أو انطباعات عامة، بدل أن يكون نتيجة مقارنة دقيقة بين الوعود والإنجازات.

وهكذا، لا تُمنح الذاكرة الوقت الكافي لتتحول إلى أداة للمحاسبة.

ولا يمكن إغفال عامل الثقة، أو بالأحرى تآكلها.

فعندما يتكرر الشعور بأن الوعود لا تُترجم دائمًا إلى نتائج ملموسة،

قد يتجه جزء من الناخبين إلى نوع من اللامبالاة أو القبول الضمني بقواعد اللعبة كما هي.

في هذه الحالة، لا يصبح النسيان مجرد ضعف في الذاكرة، بل آلية للتكيف مع واقع لا يقدّم دائمًا ما يكفي من الحوافز للتذكر والمحاسبة.

ومع ذلك، فإن اختزال الظاهرة في سلوك الناخب وحده لا يكفي.

إذ يظل غياب آليات واضحة وشفافة لتقييم السياسات العمومية، وتقديم حصيلة دقيقة وقابلة للفهم، عاملا أساسيا في إضعاف الذاكرة الجماعية.

فحين لا تتوفر معطيات مبسطة ومقارنة حول ما تحقق وما لم يتحقق، يصبح من الصعب على المواطن بناء حكم مستند إلى الوقائع.

في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر فقط بذاكرة تنسى، بل بمنظومة كاملة لا تساعد على التذكر.

فالديموقراطية لا تقوم فقط على الاختيار، بل على القدرة على التقييم المستمر.

وبين انتخابات تنظّم بانتظام وذاكرة تتلاشى بسرعة، يظل السؤال مطروحًا: هل ننسى لأننا نريد ذلك، أم لأن الشروط التي تسمح لنا بالتذكر لم تترسخ بعد؟

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*