بين الترحال السياسي وإعادة التموضع: من يضبط إيقاع الزمن الحزبي في المغرب؟

بين الترحال السياسي وإعادة التموضع: من يضبط إيقاع الزمن الحزبي في المغرب؟

سياسي:  رشيد لمسلم

تشهد الساحة السياسية المغربية في الأشهر الأخيرة حركية لافتة، تتجلى في تصاعد وتيرة “الانتقالات” و”الاستقالات” و”الالتحاقات” داخل الأحزاب السياسية، وهي ظاهرة باتت تطرح أكثر من سؤال حول طبيعة الفعل الحزبي، وحدود الالتزام الإيديولوجي، ومن يتحكم فعليا في بوصلة الزمن السياسي بالمغرب.

لم تعد ظاهرة الترحال السياسي مجرد حالات معزولة أو استثناءات ظرفية، بل تحولت إلى سلوك شبه بنيوي يطبع الحياة الحزبية، خصوصا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية أو عقبها.

ففي هذه اللحظات المفصلية، يكثر “إعادة التموضع”، حيث يسعى عدد من الفاعلين السياسيين إلى البحث عن مواقع أكثر “ملاءمة” لحظوظهم الانتخابية، أو انسجاما مع موازين القوى الجديدة.

 منطق البراغماتية أم أزمة انتماء؟

يفسر البعض هذه التحركات بمنطق البراغماتية السياسية، حيث يصبح الانتماء الحزبي أداة لتحقيق الفعالية السياسية، وليس غاية في حد ذاته.

غير أن هذا التبرير يصطدم بانتقادات واسعة ترى في هذه الظاهرة تعبيرا عن أزمة عميقة في الهوية الحزبية، وضمور الالتزام الفكري، وغياب التمايز الإيديولوجي بين الأحزاب.

فحين تتقارب البرامج وتتشابه الخطابات، يغدو الانتقال من حزب إلى آخر أقل كلفة سياسيا وأخلاقيا، بل أحيانا “مفهوما” في نظر جزء من الرأي العام.

لكن هذا الوضع ينعكس سلبا على منسوب الثقة في العمل السياسي، ويغذي الشعور بكون الأحزاب مجرد آليات انتخابية أكثر منها مؤسسات تأطير وتمثيل.

 الزمن الانتخابي كفاعل خفي: 

يبدو أن الزمن الانتخابي هو المحرك الأساسي لهذه الدينامية.

فمع كل استحقاق، تعاد هندسة الخريطة الحزبية بشكل غير رسمي، من خلال استقطاب الأعيان والوجوه الانتخابية القادرة على جلب الأصوات.

هنا، تتحول الأحزاب إلى فضاءات مفتوحة لإعادة تجميع النخب المحلية، في إطار ما يمكن تسميته بـ”سوق سياسي” تحكمه قواعد العرض والطلب.

غير أن اختزال الظاهرة في العامل الانتخابي وحده يظل تبسيطا مفرطا.

فهناك أيضا تأثير لموازين القوى داخل الدولة، وتغير أولويات السياسات العمومية، فضلا عن أدوار النخب الاقتصادية والإعلامية في توجيه الاختيارات الفردية والجماعية للفاعلين السياسيين.

 من يتحكم في البوصلة؟ 

السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه التحولات هو: من يحدد إيقاع الزمن السياسي في المغرب؟

هل هي الأحزاب نفسها، أم أن هناك فاعلين آخرين يضبطون هذا الإيقاع من خارجها؟

في الواقع، يبدو أن القرار الحزبي لا يصنع دائما داخل المؤسسات الحزبية.

فضعف الديمقراطية الداخلية، وهيمنة الزعامات، وغياب التداول الحقيقي على القيادة، كلها عوامل تجعل من الأحزاب فضاءات هشة، قابلة للاختراق وإعادة التشكيل وفق توازنات أوسع.

كما أن النظام السياسي المغربي، بطبيعته المركبة، يلعب دورا مركزيا في توجيه الحقل الحزبي، سواء عبر القواعد القانونية المنظمة، أو من خلال ديناميات غير معلنة تؤثر في مسارات الفاعلين.

 نحو إعادة الاعتبار للفعل الحزبي 

أمام هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى إعادة بناء الثقة في الأحزاب السياسية، من خلال تعزيز الشفافية، وتكريس الديمقراطية الداخلية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، إضافة إلى إعادة الاعتبار للبرامج والرؤى بدل الأشخاص.

فبدون أحزاب قوية ومتماسكة، يصعب الحديث عن حياة سياسية سليمة أو ديمقراطية فعالة او نتائج إنتخابية مرضية للشعب المغربي خلال استحقاقات 2026. 

كما أن الحد من ظاهرة الترحال السياسي لا يمكن أن يتم فقط عبر القوانين، بل يتطلب أيضا ترسيخ ثقافة سياسية جديدة، قوامها الالتزام والمساءلة.

في النهاية، يظل الزمن السياسي في المغرب نتاج تفاعل معقد بين فاعلين متعددين، رسميين وغير رسميين.

غير أن الرهان الحقيقي يكمن في جعل هذا الزمن معبّرا عن إرادة المواطنين، لا مجرد انعكاس لحسابات ظرفية أو توازنات عابرة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*