خرجة بن كيران الأخيرة: بين البحث عن الشرعية الدينية وبداية حملة انتخابات 2026
وهيبة الوردي
في خرجته الأخيرة، عاد عبد الإله بن كيران إلى الأسلوب الذي يتقنه جيداً: إثارة الجدل، تحريك المياه الراكدة، وإعادة وضع نفسه في قلب النقاش العمومي.
فالرجل يدرك أن السياسة ليست فقط برامج وأرقاماً، بل أيضاً رموز ورسائل وتوقيت.
لذلك لا يمكن قراءة خرجة بن كيران الأخيرة بمعزل عن السياق السياسي الذي يسبق استحقاقات 2026، حيث بدأت ملامح الحملة الانتخابية تظهر مبكراً، ولو بطرق غير مباشرة.
بن كيران، منذ دخوله المشهد السياسي الوطني، لم يكن مجرد زعيم حزبي تقليدي، بل حالة سياسية قائمة على الخطاب الشعبوي القريب من الناس، وعلى المزج بين الدين والسياسة، وبين الدعابة والهجوم، وبين التواضع الظاهري والذكاء التكتيكي.
لهذا فإن كل ظهور له يتحول إلى حدث، وكل تصريح يصنع نقاشاً، سواء اتفق معه الناس أو اختلفوا حوله.
في خرجته الأخيرة، بدا واضحاً أن الرجل يحاول استرجاع عناصر القوة التي صنعت شعبيته سابقاً: مخاطبة الوجدان الشعبي، استحضار المرجعية الدينية، تقديم نفسه كصوت صادق في مواجهة “النخب الباردة”، وإعادة تقسيم المشهد بين من يمثل الشعب ومن يمثل المصالح.
وهي وصفة قديمة لكنها ما زالت فعالة لدى جزء من الناخبين الذين يشعرون بالحنين إلى مرحلة كان فيها الخطاب السياسي أكثر حرارة وأكثر قرباً من الشارع.
ومن بين النقاط التي أثارت الانتباه، العودة إلى لغة الشرعية الرمزية والدينية، سواء بشكل مباشر أو ضمني. وهنا يطرح سؤال مشروع: هل يبحث بن كيران عن شرعية دينية من خلال إثارة نسبه أو رمزيته المحافظة؟ أم أن الأمر مجرد خطة انتخابية مبكرة لاستمالة القاعدة المحافظة؟
في تقديري، الأمر يجمع بين الاثنين.
بن كيران يعرف جيداً أن المغاربة، رغم تطور وعيهم السياسي، ما زالوا يتفاعلون مع الرموز الدينية والأخلاقية، خاصة حين تأتي في قالب بسيط وشعبي.
لذلك فإن استدعاء هذا المعجم ليس بريئاً، بل يدخل ضمن بناء صورة الزعيم “النظيف” و”القريب من القيم الأصيلة”. وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن الرجل نفسه ابن مدرسة دعوية سياسية ترى أن المرجعية الدينية جزء من هوية العمل العام.
لكن ما تغير اليوم هو أن المغرب سنة 2026 ليس هو مغرب 2011.
فالأولويات تبدلت، والمواطن صار يسأل أكثر عن القدرة الشرائية، الصحة، التعليم، الشغل، السكن، والعدالة الاجتماعية. لم يعد الخطاب الوعظي وحده كافياً، ولا استدعاء الماضي يضمن أصوات المستقبل. لهذا فإن أي محاولة للعودة إلى الشرعية الدينية دون أجوبة اقتصادية واجتماعية قوية ستبقى محدودة الأثر.
كما أن حزب حزب العدالة والتنمية نفسه يواجه تحدياً حقيقياً: هل يستطيع تجاوز صورة الحزب الذي استُهلك في السلطة؟
وهل يمكنه إقناع الناخبين بأنه تعلّم من أخطائه؟ هنا يظهر دور بن كيران كآخر ورقة تعبئة جماهيرية يملكها الحزب، لأنه ما زال الأكثر حضوراً وتأثيراً داخل قواعده.
ومع ذلك، فإن الاعتماد المفرط على شخص واحد يحمل مخاطر كبيرة. فإذا تحولت الحملة المقبلة إلى مجرد إعادة تدوير لخطاب بن كيران، فقد يبدو الحزب وكأنه عاجز عن إنتاج نخب جديدة أو رؤية جديدة.
والسياسة التي تعيش على الأمجاد القديمة سرعان ما تصطدم بواقع جديد لا يرحم.
خرجة بن كيران الأخيرة إذن ليست مجرد تصريح عابر، بل إعلان مبكر بأن الرجل قرر دخول المعركة قبل أوانها، واستعمال أدواته التقليدية: الدين، الرمزية، الشعبوية، والقدرة على شد الانتباه. لكنه في المقابل يواجه مجتمعاً أكثر تطلباً، وناخباً أقل انبهاراً بالشعارات.
الخلاصة أن بن كيران لا يبحث فقط عن الشرعية الدينية، ولا يتحرك فقط بمنطق الحملة الانتخابية، بل يمزج بين الاثنين بمهارة السياسي المخضرم. غير أن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا قال بن كيران؟ بل ماذا سيقدم للمغاربة؟ لأن زمن الخطابة وحدها يقترب من نهايته، وزمن النتائج هو الذي يطرق الباب.
