فنجان بدون سكر:
بين الحكومة والحكامة والحوكمة: حين تُختزل الدولة في “الحكومة” وحدها .
بقلم: عبدالهادي بريويك
في النقاشات الحديثة حول تدبير الشأن العام، تطرح ثلاث مفاهيم مركزية: الحكومة، الحكامة، والحوكمة.
ورغم وضوحها النظري، إلا أن الإشكال الحقيقي يظهر عند الانتقال من المفهوم إلى الممارسة، حيث يلاحظ أحيانا أن التدبير العمومي لا يستحضر من هذه المنظومة سوى “الحكومة” باعتبارها جهازا للأشخاص، بدل استيعاب أعمق لمبادئ الحكامة والحوكمة باعتبارهما إطارا لضبط القرار العمومي وتحديثه.
هذا الاختزال يفتح الباب أمام نقاش واسع في المغرب حول طبيعة تدبير الشأن العام، ويعيد إلى الواجهة سؤال الكفاءة، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة في ظل ما يتداول إعلاميا ونقاشا عموميا من حالات ينظر إليها باعتبارها تعكس توترا بين منطق الاستحقاق ومنطق القرب والعلاقات.
أولا: الحكومة ليست هي الدولة
“الحكومة” هي جهاز تنفيذي لتطبيق السياسات العمومية، لكنها قد تختزل في الممارسة في أشخاص ومواقع، بدل أن تفهم كجزء من منظومة مؤسساتية متكاملة.
هذا الاختزال يجعل القرار العمومي أقرب إلى منطق التقدير الفردي، وأبعد عن منطق القاعدة والمؤسسة.
ثانيا: الحكامة… معيار الشفافية والإنصاف
الحكامة هي الإطار الذي يضمن أن يكون التدبير العمومي قائما على الشفافية والنجاعة والمساءلة وتكافؤ الفرص. وهي ليست شعارا، بل منظومة تضع حدودا للسلطة، وتضمن أن يكون القرار قابلا للتقييم والمراقبة، لا خاضعا للاعتبارات الشخصية.
ثالثا: الحوكمة… تعدد الفاعلين بدل مركزية القرار
أما الحوكمة، فهي انتقال نحو تدبير تشاركي، حيث لا تحتكر الدولة القرار، بل تتقاسمه مع فاعلين متعددين.
هذا النموذج يفترض الانفتاح والتنسيق، ويقلل من مخاطر التمركز حول فرد أو دائرة ضيقة.
رابعا: بين الخطاب والممارسة… سؤال الكفاءة وتكافؤ الفرص
في السياق المغربي، يثار في النقاش العمومي عدد من الملاحظات حول مدى تفعيل مبدأ تكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالكفاءة في بعض التعيينات والتدبيرات الإدارية.
ومن بين ما يتداول إعلاميا ونقاشا سياسيا، حالة مرتبطة بسي لحسن ، حيث أُثير جدل حول تعيينات في مناصب إدارية إقليمية، من بينها تعيين وصف في بعض النقاشات بأنه يطرح تساؤلات حول مدى اعتماد مقاربة الكفاءة في مقابل معايير أخرى.
ويشار في هذا السياق إلى أن هذه القضايا تبقى جزء من نقاش عمومي أوسع حول إصلاح الإدارة، ومحاربة البطالة في صفوف الكفاءات، وفتح فرص التوظيف أمام الطاقات المعطلة، أكثر من كونها أحكاما نهائية على أشخاص أو قرارات بعينها.
حين تختزل الحكامة في “الحكومة“:
المشكل الجوهري الذي يطرحه هذا النوع من النقاشات لا يتعلق بالأفراد، بل بالبنية العامة التي تسمح أحيانا بضعف تفعيل معايير الحكامة.
فعندما تطغى “الحكومة” كجهاز أشخاص على حساب “الحكامة” كمنظومة قواعد، تصبح القرارات عرضة للتأويلات، ويضعف الإحساس بالعدالة المؤسساتية.
نحو دولة تدار بالقواعد لا بالاستثناءات:
إن الرهان الحقيقي اليوم في تدبير الشأن العام لا يكمن في كثرة الخطابات حول الإصلاح، بل في ترسيخ منطق يجعل من الحكامة والحوكمة إطارا ملزما لكل قرار عمومي. فالدولة الحديثة لا تقاس بتعاقب الحكومات فقط، بل بقدرتها على ضمان تكافؤ الفرص،وتكريس الكفاءة، وبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وفي النهاية، تبقى الإشكالية الأساسية هي: هل نريد دولة تُفهم عبر “الحكومة” كأشخاص، أم دولة تُبنى على “الحكامة والحوكمة” كقواعد ومؤسسات؟
