الفنيدق: الأكاجو والبيسطاج… حين تتحول نفقات الجماعة إلى عنوان لسؤال الحكامة

الفنيدق:

الأكاجو والبيسطاج… حين تتحول نفقات الجماعة إلى عنوان لسؤال الحكامة

سياسي: عبدالهادي بريويك

أعاد الجدل الذي أثاره الفيديو المتداول حول نفقات مواد غذائية واستهلاكية بجماعة الفنيدق فتح النقاش مجددا حول طريقة تدبير المال العام داخل الجماعات الترابية، وحدود الأولويات التي يفترض أن تحكم صرف الميزانيات المحلية، خصوصا في مدن تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية متزايدة.

فالأرقام المتداولة، والتي تشمل اقتناء عشرات الآلاف من قنينات الماء والعصير، وآلاف أطباق الحلويات، إضافة إلى مئات الكيلوغرامات من “الأكاجو” و”البيسطاج”، لم تُستقبل داخل الرأي العام المحلي باعتبارها مجرد تفاصيل إدارية عادية، بل تحولت إلى رمز سياسي يعكس حجم الفجوة بين انتظارات المواطنين وطبيعة النفقات التي يتم تداولها داخل المؤسسات المنتخبة.

ويقود جماعة الفنيدق حزب الأصالة والمعاصرة، أحد أبرز الأحزاب السياسية المغربية، والذي تأسس سنة 2008 تحت شعار تحديث الحياة السياسية وتعزيز الحكامة الترابية وربط المسؤولية بالمحاسبة. وخلال السنوات الأخيرة، تمكن الحزب من توسيع حضوره داخل الجماعات الترابية والجهات، مقدما نفسه كقوة سياسية تراهن على التدبير العصري والتنمية المحلية.

غير أن الجدل الحالي يضع الحزب، محليا، أمام اختبار سياسي وأخلاقي حقيقي، ليس فقط بسبب طبيعة النفقات المثيرة للنقاش، بل أيضا بسبب الصورة التي تتركها مثل هذه الملفات لدى الرأي العام، في ظرفية اجتماعية دقيقة ترتفع فيها مطالب تحسين الخدمات الأساسية وفرص الشغل والبنيات التحتية.

فالمواطن الذي يواجه يوميا مشاكل النقل والبطالة وتدهور بعض المرافق العمومية، يصعب عليه استيعاب مبررات صرف مبالغ مهمة على مواد تعتبر، في نظر شريحة واسعة، أقرب إلى “الكماليات” منها إلى الضروريات الإدارية.

وهنا بالتحديد يتحول “الأكاجو والبيسطاج” من مجرد مواد استهلاكية إلى قضية سياسية مرتبطة بثقافة التدبير وأولويات المنتخبين.

سياسيا، تبدو القضية أكبر من مجرد أرقام أو فواتير، لأنها تعيد إلى الواجهة سؤال الحكامة داخل الجماعات الترابية المغربية:

هل ما تزال بعض المؤسسات المنتخبة تشتغل بعقلية الامتيازات والبذخ الإداري؟

وأين تنتهي حدود الضيافة البروتوكولية، وأين تبدأ مسؤولية ترشيد النفقات واحترام حساسية المواطنين تجاه المال العام؟

كما أن المعارضة المحلية، إلى جانب جزء من الرأي العام، ترى في هذه المعطيات فرصة لمساءلة الأغلبية المسيرة حول الشفافية وطرق صرف الميزانية، خاصة في ظل تنامي الرقابة المجتمعية والإعلامية على تدبير الشأن المحلي.

في المقابل، يبقى من الضروري التمييز بين ما هو قانوني من الناحية المحاسباتية، وما هو مقبول سياسيا وأخلاقيا. فقد تكون بعض هذه النفقات مبررة إداريا ضمن اعتمادات التسيير والاستقبال، لكن الإشكال الحقيقي يكمن في الرسالة التي تصل إلى المواطنين عندما تصبح صور “الأكاجو والبيسطاج” أكثر حضورا من صور المشاريع التنموية المنتظرة.

وفي النهاية، فإن أخطر ما في هذه القضايا ليس فقط قيمة النفقات، بل تأثيرها على ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة. لأن السياسة، في جوهرها، ليست مجرد أرقام داخل وثائق محاسباتية، بل أيضا قدرة المسؤول على إدراك أولويات الناس والشعور بما يعتبره الرأي العام استفزازا أو تبذيرا، خصوصا في زمن أصبحت فيه كاميرا هاتف واحدة قادرة على تحويل “البيسطاج” إلى قضية رأي عام.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*