مسألة احتمالات
جيد.
كتبها: الإعلامي أحمد الدافري
كان على ابراهيم دياز في الدقيقة 66 من مباراة أمس ضد اسكتلندا أن يمرر كرة لاسماعيل الصيباري لكنه فضل الاحتفاظ بالكرة والمراوغة وإضاعتها بدلا من تمريرها له، ولو مررها له، كان اسماعيل الصيباري سيكون في وضعية انفراد تام، وهو قرار أثار استياءنا نحن المغاربة جميعا.
لكن، لو كان ابراهيم دياز مرر الكرة للصيباري، هل كان من الممكن أن تسفر التمريرة عن هدف؟
نعم.
كان من الممكن أن تسفر التمريرة عن هدف.
وقد قلت هنا، كان من الممكن..
ولم أقل كان سيكون.
لأن لا أحد لديه العلم اليقين بما كان سيكون وسيتحقق.
لنحاول أن نفهم معنى ذلك.
في الشوط الثاني من المباراة الأولى التي جمعت فرنسا بالسنغال، وفي الوقت الذي كان يضغط فيه المنتخب الفرنسي على نظيره السنغالي لكسر التعادل السلبي، تلقى اللاعب الفرنسي مايكل أوليسي في الدقيقة 51 من زميله أوريلين تشواميني كرة في العمق، فوجد نفسه في حالة انفراد مع الحارس السنغالي إدوارد ميندي، لكن أوليسي لم يضع الكرة داخل المرمى وأضاع هدفا بعد أن تصدى الحارس السنغالي للكرة.
كان على مايكل أوليسي أن يسجل الهدف الأول لكنه لم يتمكن من ذلك..
في الدقيقة 57 أوليسي نفسه مرر كرة بديعة لكيليان مبابي الذي وجد نفسه في حالة انفراد تام مع الحارس السنغالي، الذي تصدى للكرة فأضاع مبابي الهدف.
كان على كيليان مبابي أن يسجل الهدف لكنه لم يتمكن من ذلك.
هذان الانفرادان لأوليسي ولمبابي بالحارس السنغالي حدثا في وقت كان فيه الفرنسيون في مختلف مناطق العالم ينتظرون تسجيل هدف ضد السنغال.
لكن أوليسي ومبابي خيبا ظنهم.
وبالتأكيد أن هناك من الفرنسيين من سب وشتم أوليسي ومبابي.
بعد ذلك، في الدقيقة 66 مرر أوليسي كرة بشكل ذكي لمبابي، فتمكن هذا الأخير من تسجيل الهدف الأول، وتمكن أيضا من تسجيل الهدف الثالث في الدقيقة 96 بتسديدة من مسافة بعيدة، ما كان أي أحد يتوقع أن تخترق الشباك.
لنعد إلى مبارة أمس بين المغرب واسكتلندا.
الهدف الأول الذي سجله اسماعيل الصيباري في مرمى اسكتلندا، لم يكن أشد المتفائلين المغاربة يتوقع أن يكون في الثانية 69، وبتلك التسديدة الفريدة من نوعها، ومن زاوية ليس من البديهي أن تضمن توجيه الكرة ناحية الشباك.
الهدف أتى من تمريرة طويلة لابراهيم دياز، وبذلك يكون ابراهيم دياز قد ساهم في هدف لم يكن تحققه أمرا بديهيا.
البداهة أو عدم البداهة يمكن فهمها أكثر، من خلال الحدث الذي وقع في الدقيقة العاشرة، حين مرر اسماعيل الصيباري الكرة إلى عز الدين أوناحي في اليسار بعد أن قطعها نائل العيناوي في الوسط، فمررها عز الدين أوناحي من جهة اليسار إلى اسماعيل الصيباري أمام مرمى اسكتلندا، فوجد الصيباري نفسه في حالة انفراد تام مع الحارس الاسكتلندي والمرمى فارغ، وعوض أن يسجل الهدف بقدمه اليسرى، أضاعها بعدما فقد توازنه وسقط وأضاع فرصة الهدف، وهي فرصة تأسف عليها المدرب محمد وهبي كثيرا، واستغرب من ضياعها حيث ظهر في الشاشة وهو يضع يديه فوق رأسه وفاتحا فمه مشدوها.
الأمر يتعلق بحدث عشوائي، حتى لو كان اللاعب بارعا وعبقريا فإنه لا يضمن كيف ستكون نتيجته.
والمقصود هنا بالعشوائية هو ما يتم تعريفه وفق قانون الاحتمالات العلمي وليس بالمعنى اللغوي التداولي الشائع الذي يعني سوء التدبير.
نفهم معنى الحدث العشوائي أكثر، حين قام ابراهيم دياز في الدقيقة الثلاثين بمجهود فردي ممتاز وهرب بالكرة إلى أن وصل إلى منطقة حارس اسكتلندا وسلم الكرة للصيباري من اليمين، فأعادها له الصيباري، فلم يتفلسف ابراهيم دياز كثيرا، بل قام بالواجب ووضع الكرة أمام نائل العيناوي، الذي كان في وضعية التسديد، فسدد نحو المرمى، لكن التسديدة ذهبت عاليا فوق العارضة.
تسديدة نائل عيناوي لم تخترق الشباك.
لكن كان ممكنا أن تخترق الشباك.
هو لاعب محترف.
ولديه مهارة.
ويتدرب يوميا.
ووظيفته هي كرة القدم.
وسدد كرة نحو الشباك.
لكنها لم تخترق الشباك.
وربما كان ممكنا عوض أن يسدد، ان يختار إمكانية أخرى، حيث كان ممكنا أن يسلم الكرة داخل منطقة العمليات على يساره إلى عز الدين أوناحي الذي كان على يساره، وعز الدين أوناحي هو الذي يركن الكرة داخل الشباك، بواحدة من الطرائق التي سبق أن سجل بها أهدافا في مناسبات عديدة، لكن هذا الحدث لم يتحقق.
لنحاول فهم مغزى هذه الأحداث العشوائية في كرة القدم، وهي أحداث تقع بسرعة وفي لحظة وجيزة يكون الدماغ مضطرا أن يأخذ معها قرارا ما، بسرعة، دون أن يكون لديه العلم اليقين بما سيحدث، فيبقى الحدث مجرد تجربة، خاضعة لقانون الاحتمالات، يتطلب تحقيق ما هو منشود منها التمرين والتدريب والمهارة والدقة، لكن يتطلب حظا أيضا.
في الدقيقة 36، سقط نائل العيناوي في الوسط على رأسه ولمس الكرة التي تدحرجت ووصلت إلى الصيباري.
وصلت الكرة عند الصيباري في وقت كان من الممكن أن يوقف الحكم معلنا عن قرار ما، لكنه لم يفعل، فتوجه الصيباري نحو مرمى اسكتلندا ومرر الكرة في اليسار نحو بلال أخنوس الذي وجد نفسه رأسا لرأس أمام الحارس، وما كان متوقعا من هذا الحدث، هو أن يسجل بلال الخنوس الهدف الثاني لأنه كان في وضع مريح، لكنه قذف الكرة فوق العارضة، هو الذي سبق له أن سجل أهدافا من مسافات بعيدة وبهدوء شديد، مثل هدفه ضمن المنتخب الأولمبي في الألعاب الأولمبية بفرنسا في مباراة التنافس على ميدالية لرتبة الثالثة.
لاعب الكرة، مهما علا شأنه، يمكنه أن ينجح ويمكنه أن يفشل، وذلك حسب قانون الاحتمالات.
في قانون الاحتمالات هناك ما يسمى :
الأحداث Les événements
والإمكانيات les éventualités
والتجارب العشوائية Les expériences aléatoires
وفي قانون ومنطق الاحتمالات Les probabilities، التجربة العشوائية هي كل نشاط أو عملية نتيقن تماما من مجموعة النتائج الممكنة لها قبل إجرائها، ولكننا لا نستطيع تحديد النتيجة الفردية الدقيقة التي ستحدث في أي محاولة قبل أن تنتهي التجربة فعليا.
الأمر هنا يتعلق بعلم.
وليس بخرافة.
وهذا ما كان.
