فنجان بدون سكر:
نظرية التحايل
بقلم: عبدالهادي بريويك
في السياسة، لا يقاس الخطاب بما يقوله فقط، بل بما يحاول إخفاءه أيضا.
ومن هنا تبرز ما يمكن تسميته بـ «نظرية التحايل”، وهي تلك الممارسة التي تلجأ إليها بعض القوى السياسية عندما تجد نفسها أمام حصيلة حكومية مثقلة بالإخفاقات، فتسعى إلى تغيير مواقعها وخطابها، ليس من موقع المراجعة والنقد الذاتي، وإنما من باب إعادة التموضع استعدادا للاستحقاقات المقبلة.
المتتبع للشأن العام يلاحظ أن أحزاب الأغلبية الحكومية التي قادت تدبير الشأن العام خلال الفترة الممتدة من 2023 إلى 2026، بدأت في الآونة الأخيرة تتحدث بلغة مختلفة عن تلك التي رافقت وصولها إلى السلطة.
فبعد سنوات من الدفاع عن السياسات الحكومية وتبرير الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، باتت هذه الأحزاب تتقمص دور المدافع عن المواطن البسيط، وتتبنى خطابا يوحي بأنها تقف في صف المتضررين من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة.
غير أن هذا التحول يطرح أسئلة جوهرية حول مدى مصداقيته، خاصة وأن المواطن المغربي عاش خلال هذه الولاية الحكومية على وقع أزمات متلاحقة، تجلت في ارتفاع معدلات البطالة، واستمرار هشاشة القدرة الشرائية، وتفاقم مستويات التضخم، والزيادات المتكررة في أسعار المواد الأساسية، بما فيها المواد الغذائية والمحروقات والخدمات الأساسية.
لقد وجد المواطن نفسه أمام واقع اقتصادي واجتماعي صعب، بينما ظلت الوعود الانتخابية الكبرى حبيسة الشعارات والخطابات.
ومع اتساع دائرة التذمر الاجتماعي، بدأت الأحزاب المشكلة للأغلبية في البحث عن مسافة سياسية تفصلها عن الحصيلة الحكومية التي كانت بالأمس القريب تعتبرها إنجازا يستحق الإشادة.
ومن أبرز مظاهر هذا التحايل السياسي محاولة تقديم الذات كطرف متعاطف مع معاناة المواطنين، رغم أن القرارات والسياسات التي أدت إلى هذه الأوضاع صدرت عن الحكومة نفسها التي تشكل هذه الأحزاب عمودها الفقري.
فكيف يمكن لمن كان مسؤولا عن صناعة القرار أن يتحول فجأة إلى ناقد لنتائجه؟
وكيف يمكن لمن دافع عن السياسات العمومية طيلة سنوات أن يقدم نفسه اليوم باعتباره صوت المتضررين منها؟
وتزداد حدة هذه التساؤلات مع تنامي الحديث عن تضارب المصالح وبروز ما أصبح يعرف في النقاش العمومي بظاهرة “الفراقشية”، وهي الظاهرة التي أثارت جدلا واسعا بشأن استفادة بعض الوسطاء والمضاربين من اختلالات السوق على حساب المواطنين والمربين الصغار.
كما أثار ملف دعم استيراد الماشية الكثير من الجدل، بعد تخصيص مبالغ مالية ضخمة قدرت بمليارات الدراهم بهدف التأثير على أسعار اللحوم وتحسين العرض في الأسواق، دون أن يلمس المواطن الأثر المنتظر بشكل واضح على مستوى الأسعار أو القدرة الشرائية.
وأدى إلى عدم احتفال الشعب المغربي بشعيرة الأضحية نتيجة فقدان رؤوس الأغنام في السنة الماضية، وكثير منهم لم يستطع شراء الأضحية هذه السنة.
إن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في ضعف النتائج، بل في محاولة إعادة كتابة الرواية السياسية بطريقة تجعل المسؤول يظهر في صورة الضحية، وصاحب القرار في صورة المتفرج.
وهنا تتجلى “نظرية التحايل” بأوضح صورها: تحويل الأنظار عن المسؤولية السياسية عبر إنتاج خطاب جديد يراهن على ضعف الذاكرة الجماعية أكثر مما يراهن على قوة الإنجاز.
لقد أصبح المواطن اليوم أكثر وعيا وقدرة على الربط بين الخطاب والممارسة، وبين الوعود والنتائج.
لذلك فإن الرهان الحقيقي ليس في تغيير اللغة أو إعادة تسويق المواقف، بل في تقديم حصيلة واضحة، وتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن القرارات المتخذة، والاعتراف بالإخفاقات قبل الحديث عن الآمال المستقبلية.
فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست فن صناعة الخطابات، بل فن تحمل المسؤولية.
أما حين يتحول الخطاب إلى وسيلة للهروب من المحاسبة، فإننا نكون أمام تجسيد كامل لما يمكن أن نسميه: “نظرية التحايل”.
