عين على الجماعات الترابية : الدورات المغلقة… عندما يخاف المسؤول من أعين المواطنين

 عين على الجماعات الترابية :

حول مول المسيكة

الدورات المغلقة… عندما يخاف المسؤول من أعين المواطنين

سياسي : رشيد لمسلم 

حين يطالب رئيس جماعة ترابية بإغلاق دورة المجلس أمام العموم، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن ليس مبرراته، بل السؤال الذي يطرحه المواطن: ماذا يوجد داخل القاعة حتى يمنع الناس من متابعته؟

فالشفافية ليست امتيازا ًيمنحه الرئيس متى شاء، وإنما هي جوهر العمل الديموقراطي المحلي، والعلنية هي الأصل، والاستثناء هو السرية في الحالات التي يحددها القانون.

إن الجماعات الترابية لم تحدث لتكون فضاءات مغلقة، ولا لتدار بمنطق “أنا أقرر وأنتم تصفقون”. إنها مؤسسات دستورية تمول من المال العام، وتخضع لمبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحق المواطنين في الوصول إلى المعلومة ومتابعة من يدبر شؤونهم.

المؤسف أن بعض الرؤساء ما زالوا يعتقدون أن السلطة المحلية تعني التحكم في النقاش، وإبعاد الرأي العام، وإخفاء الاختلالات خلف أبواب موصدة.

لكن الزمن تغير، والمواطن لم يعد يقبل أن تتحول المجالس المنتخبة إلى فضاءات لا يسمع فيها إلا صوت الأغلبية، بينما تحجب الحقائق عن الساكنة التي منحت أصواتها وثقتها.

إن التنمية لا يصنعها رئيس يهرب من النقاش العمومي، بل يصنعها مسؤول يمتلك رؤية واضحة، وخطة استراتيجية، وقدرة على استباق المخاطر قبل وقوعها.

التدبير الحديث لم يعد مجرد إصلاح حفرة أو جمع النفايات أو توقيع الوثائق، بل أصبح علما قائما على التخطيط الاقتصادي، وإدارة المخاطر، والنجاعة المالية، وجلب الاستثمار، وتعبئة الموارد، وقياس الأثر التنموي لكل قرار.

إن الجماعة التي تفتقد إلى رؤية اقتصادية واضحة ستظل تدور في حلقة مفرغة، تنتقل من أزمة إلى أخرى، ومن احتجاج إلى آخر، لأن من يعالج النتائج دون معالجة الأسباب لا يصنع تنمية، بل يؤجل الانفجار فقط.

لا أحد يطالب بأن يكون كل رئيس حاصلا على أعلى الشهادات، لكن الجميع يطالب بأن يكون مؤهلا لفهم تحديات المرحلة، قادرا على الإنصات للخبراء، والاستفادة من الكفاءات، واتخاذ القرار بناء على المعرفة لا على المزاج أو الحسابات الضيقة. فالمنصب العمومي مسؤولية، وليس مساحة للارتجال أو استعراض النفوذ.

وإذا كانت بعض المجالس ترى في إغلاق الدورات وسيلة لتجنب الإحراج، فإنها في الحقيقة ترسل رسالة معاكسة تماما: رسالة ضعف، وخوف من الرقابة المجتمعية، وغياب الثقة في القدرة على إقناع الرأي العام.

أما المسؤول الواثق من حصيلته، فلا يخشى كاميرا، ولا صحفيا، ولا مواطنا يسأل: أين صرف المال العام؟ وما هي حصيلة الوعود الانتخابية؟

لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة “تدبير الأشخاص” إلى “تدبير المشاريع”، ومن منطق الولاءات إلى منطق الكفاءات، ومن البحث عن الامتيازات إلى صناعة التنمية.

فالجماعات الترابية ليست ملكا لرئيسها، بل هي ملك للمواطنين، ولا يمكن أن تتحقق التنمية في بيئة يغيب عنها النقاش الحر، وتضعف فيها الشفافية، وتتراجع فيها ثقافة المساءلة.

إن مستقبل الجماعات لن تصنعه الأبواب المغلقة، بل ستصنعه النوافذ المفتوحة على الرقابة، والمشاركة، والوضوح. وكل مسؤول يختار السرية حيث يقتضي القانون العلنية، عليه أن يدرك أن أكبر خصم له ليس المعارضة، بل فقدان ثقة المواطنين.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*