الاضطراب البنيوي وآليات التصحيح الذاتي المتوازن في منظومة مغرب الغد

*الاضطراب البنيوي وآليات التصحيح الذاتي المتوازن في منظومة مغرب الغد*

«مقاربة نقدية وتحليلية في فلسفة الدولة المغربية الحديثة… المناعة المؤسساتية والجيوبوليتيك»

بقلم:*نادية واكرار*

لم تعد الدولة الحديثة تقاس فقط بمعايير اركاييكية قديمة وبقدرتها على فرض السلطة أو إنتاج القرار … بل اصبحت تقاس بمدى امتلاكها مناعة مؤسساتية قادرة على استيعاب مدى ونوع واسقاط الاضطرابات وتحويلها إلى فرص لإعادة بناء التوازن. 

نتحدث هنا عن الدولة…وهي شأنها شأن أي كائنات حية أومنظومات معقدة لا تعيش في حالة استقرار مطلق بل في حالة توازن ديناميكي يتأرجح باستمرار بين الضغوط الداخلية والتحديات الخارجية.

 يمكن من خلال هذا التصور النظر إلى المغرب باعتباره منظومة متكاملة تتفاعل داخلها مؤسسات الدولة والفاعلون السياسيون والاقتصاد والمجتمع والدبلوماسية، والعمق الحضاري، في شبكة مترابطة من العلاقات.

وكل اضطراب يصيب أحد هذه المكونات لا يبقى معزولا … بل يمتد أثره إلى كا أجزاء المنظومة…فتنتقل العدوى شيئا فشيء داخل الجسد كما ينتشر الخلل بكل سلاسة داخل نظام معلوماتي…

فقوة الدولة لا تكمن في غياب الأزمات او تغييبها او انعدامها بل في امتلاكها مناعة مؤسساتية قادرة على التعرف على الاختلالات واحتوائها ثم تصحيحها وإعادة إنتاج التوازن مرة أخرى بدون المساس باستمرارية الدولة أو بمشروعها الحضاري…

هذه المناعة المؤسساتية هي رؤية استراتيجية لا مجرد قوانين أو أجهزة رقابية… هي منظومة من آليات التغذية الراجعة والمحاسبة والشفافية…منظومة تحفز وتجدد ميكانيزمها النخبوي وتعززه وتعمل على تكييف الازمات و المتغيرات، بما يسمح للنظام السياسي بإعادة إنتاج شرعيته بصورة مستمرة.

فيما يخص المنظومة المغربية، فإن تبنيها هذه الرؤية واكتسابها لهذه المناعة قد تعتبره بعدا جد معقدا بحكم الموقع الجيوبوليتيكي للمملكة وتشكيلته الجد معقدة. فالمغرب ليس مجرد دولة تقع في شمال إفريقيا بقدر ما هو نقطة ارتكاز بين أوروبا وإفريقيا، وبين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، وبين العمق الامزيغي و العربي والإفريقي .

كما يجعل من كل هذه التحولات الداخلية ذا امتداد لولبي و خارجي…. وكل قرار دبلوماسي له أثر داخلي.

لذلك فإن فهم مستقبل المغرب لا يمكن أن ينفصل عن قراءة جيوبوليتيكية تؤكد على أن الأمن والدبلوماسية والتنمية والاستقرار الاجتماعي… عناصر متلازمة ومتداخلة داخل معادلة واحدة موحد .

يمكن القول أن فلسفة الدولة المغربية الحديثة لاتزال تعمل على اتباث نفسها وان كان بشكل متدبدب ….هي مشروع يسعى إلى تحقيق التوازن بين الاستمرارية التاريخية والإصلاح المؤسساتي ثم بين الشرعية التاريخية ومتطلبات الحكامة الحديثة و الثوابت الوطنية والانفتاح على التحولات الدولية.  

مشروع يظل رهينا بقدرة مؤسسات الدولة على تطوير آليات تصحيح جدري و ذاتي ، الشيء الذي سيجعلها أكثر مرونة مستقبلا في مواجهة الأزمات وأكثر قدرة على تحويل الضغوط الجيوسياسية إلى مصادر للقوة بدل أن تصبح عوامل هشاشة.

 مقاربة لا تنطلق من منطق الإدانة أو التمجيد، بقدر ما هي فرضية علمية مفادها أن كل منظومة سياسية تحمل في داخلها بذور اضطرابها… كما تحمل في الوقت ذاته إمكانات شفائها.

والسؤال الحقيقي ليس: هل يعيش المغرب اضطرابات؟ إلى أي مدى تمتلك الدولة المغربية مناعة مؤسساتية تسمح لها بتحويل الاضطراب البنيوي إلى فرصة للتجدد الاستراتيجي، وتعزيز موقعها الجيوبوليتيكي، وترسيخ فلسفة الدولة الحديثة؟

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*