سبتة و مليلية المحتلتين : صرخة الشواطئ وصمت الكواليس.. حين تتحول الهجرة إلى رسالة!

سبتة و مليلية المحتلتين :

صرخة الشواطئ وصمت الكواليس.. حين تتحول الهجرة إلى رسالة!

بقلم الدكتور سدي علي ماءالعينين،أكادير،يوليوز،2026.

من السهل جدًا، بل ومن الإجحاف التبسيطي، أن يُسارع البعض إلى التقاط صور الميدان وقشور الأحداث ليصنع منها محاكمة جاهزة للسياسات العمومية، أو أن يستغل توقيتًا وطنيًا فارقًا كرمزية عيد العرش ليفرغ فيه قراءات متسرعة تدعي محاسبة نظام الحكم والدولة.

إن مثل هذه النظرة السطحية لا ترى من جبل الثلج إلا قمته الطافية فوق الماء، وتتجاهل عمق التدافع الإقليمي والتحركات الشطرنجية المعقدة التي تُدار خلف الكواليس. إن اختزال شواطئ الشمال في مجرد فتاوى اجتماعية أو إخفاقات تنموية داخلية هو قراءة قاصرة تعجز عن إدراك أن جغرافيا التماس بين القارتين ليست ساحة ركود اجتماعي، بل هي بالأساس مسرح للرسائل السياسية المتبادلة وتوازنات القوة.

إن هؤلاء الذين يكتفون بالرصد البصري السريع يسقطون في فخ “العمى الجيوسياسي”؛ فهم لا يرون كيف تُصنع الأحداث ولا كيف تتقاطع الدوافع، ولا يفهمون أن ملفات الحدود والهجرة في دول البحر الأبيض المتوسط لم تكن يومًا مجرد ظاهرة معزولة عن بيئتها السياسية والدبلوماسية.

إن قراءة ما يجري بمعزل عن سياقه الإقليمي ومناورات الجار الشمالي وتحركات العواصم المجاورة يُعتبر شططًا تحليليًا يستبدل عمق الظاهرة بظاهرها البسيط.

ولأن الفهم الحقيقي يقتضي الغوص إلى ما وراء السطح، فإن تفكيك المشهد يستوجب النظر إلى المحركات الكبرى التي توجّه البوصلة، بعيدًا عن الصيحات الانفعالية التي تغفل حقائق التدافع الاستراتيجي.

فلا يمكن لمن يتابع دفقات الأحداث المتسارعة في حوض الغرب الأوسط للبحر الأبيض المتوسط أن يقرأ المشاهد الميدانية الأخيرة على حدود سبتة ومليلية بمعزل عن الترمومتر الدبلوماسي الدقيق الذي يضبط حرارة العلاقات بين الرباط ومدريد.

إن تلك التدفقات السباحية المكثفة التي شهدتها شواطئ الفنيدق، والتي تميزت باستثناء لافت للمهاجرين من دول جنوب الصحراء واقتصارها على فئات محددة في ظرف زمني حساس، لا يمكن التعامل معها كحدث إنساني عفوي يتكرر مع تحسن الأحوال الجوية، بل هي مشهد يتصل اتصالًا وثيقًا ومباشرًا بشرارات التحولات السياسية الأخيرة التي أوقدتها المؤسسة التشريعية الإسبانية.

لقد اختارت مدريد أن تمضي في خطوة أحادية الجانب نحو إقرار مشروع تجنيس الساكنة الصحراوية المولودة قبل عام ألف وتسعمائة وسبعة وسبعين وأبنائهم، وهي الخطوة التي وإن حُرص على إلباسها لبوسًا حقوقيًا وتاريخيًا، إلا أنها قفزت بشكل صريح على الأعراف الدبلوماسية المقررة بين البلدين، متجاهلة التنسيق الواجب مع الشريك المغربي صاحب السيادة والممسك الأول بمفاتيح الأمن الإقليمي.

وما زاد الطين بلة هو تلك الشمولية التي طبعت النص الإسباني، إذ لم يفرق بين فئات ديموغرافية هنا أو هناك، بل فتح الباب ليشمل صحراويي الأقاليم الجنوبية للمملكة، وهو ما فُسّر في عمقه الاستراتيجي كاختراق سياسي يحاول التراجع الخفي عن المكاسب التي تحققت عقب الاعتراف الإسباني التاريخي بمبادرة الحكم الذاتي.

هذه الخطوة التشريعية لم تأتِ في فراغ، بل جاءت مساوقة لتحركات دبلوماسية رفيعة أظهرت فيها مدريد رغبة جامحة في إعادة الدفء إلى علاقاتها مع الجزائر، ممّا أحيى في الأذهان منطق “الدبلوماسية المزدوجة” واللعب على حبل التوازنات في المنطقة.

وأمام هذا التذبذب الإسباني، لم يكن غريبًا أن يقرأ الخبراء والمراقبون الدوليون المشهد الميداني على الحدود باعتباره لغة تعبير حازمة ومباشرة؛ فالأمن الإقليمي وإدارة الحدود هما جزء لا يتجزأ من حزمة شمولية تقوم على الثقة والوضوح، ومتى ما اهتزت مقومات هذا التنسيق الدبلوماسي، فإن التموجات الميدانية تصير النتيجة الطبيعية لهذا الخلل.

ولم تكن هذه القراءة حكرًا على التحليلات المحلية، بل إن مراكز التفكير الدولية وكبريات الصحف الإسبانية والدولية، وفي مقدمتها تحليلات متخصصة نشرتها منابر إعلامية مرموقة مثل صحيفة البايس ومجلة أتالاير الإسبانية، وقفت مليًا عند هذا التزامن الزمني العجيب بين خطوة التجنيس وتحركات الحدود.

وقد أجمعت تلك الأدبيات التحليلية الغربية على أن ملف الهجرة وضبط السيولة الأمنية على السواحل كانا دومًا، وسيظلان، أداة تواصل غير مباشرة في أدبيات العلاقات بين الضفتين، حيث تُترجم رسائل الميدان بدقة لتنبيه صناع القرار في مدريد إلى أن الشراكة الاستراتيجية الحقيقية لا تتجزأ، وأن الكلفة الأمنية لحماية أوروبا لا يمكن أن تُدفع من طرف واحد في ظل قرارات أحادية تمس المص المصالح السيادية العليا للمملكة المغربية.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*